الخميس بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قرءاةٌ منَ القدِّيسِ كيرلُّسَ الأُورشليمي (+387) أَلصَّليبُ الفادي (الخطبة 13، 1-2)
كلُّ عملٍ قامَ بهِ المسيحُ كانَ مَدعاةَ فخرٍ للكنيسةِ الجامعة، وأَعظمُ المفاخرِ كلُّها كانَ الصَّليب.
وإِذْ عرفَ بولسُ ذٰلكَ قال: "أَمَّا أَنا فمعاذَ اللهُ أَن أَفتخرَ إِلَّا بصليبِ ربِّنا يسوعَ المسيح". منَ العجيبِ أَن يرى المولودُ أَعمى النُّورَ في سلوام، ولٰكنْ ماذا يهمُّ ذٰلك عُميانَ العالمِ أَجمع؟ إِنَّهُ لأَمرٌ عظيمٌ وخارقٌ للطَّبيعةِ، أَنْ يقومَ لعازرُ منَ الموتِ في اليومِ الرَّابع، ولٰكنَّهُ حظيَ بٱلنِّعمةِ وحدهُ، فماذا يهمُّ ذٰلكَ الَّذينَ ماتوا بخطاياهمْ في العالمِ أَجمع؟ إِنَّها لمعجزةٌ أَنْ يتغذَّى خمسةُ الآفِ رجلٍ بخمسةِ أَرغفة، ولٰكنْ ماذا يهمُّ ذٰلك الَّذين يتضوَّرونَ جوعًا في العالمِ أَجمع؟ وعجيبٌ أَن تُحلَّ ٱمرأةٌ كانَ قدْ ربطها الشَّيطانُ منذُ ثماني عشرةَ سنة، ولٰكنْ ماذا يهمُّنا ذٰلكَ نحنُ جميعًا المُرتبطينَ بسلاسلِ الخطايا؟ تاجُ الصَّليبِ هو الَّذي أَضاءَ الَّذينَ كانَ يُعميهِمِ الجهل، وحرَّرَ الَّذينَ كانوا أَسرى الخطيئة، وٱفتدى البشرَ أَجمعين.
لا تعجبْ منَ أَنَّ العالمَ بأَسرهِ قدِ ٱفتُدي، لأَنَّ الَّذي ماتَ لأَجلنا لم يكنْ مجرَّدَ إِنسان، إِنَّما هو ٱبنُ الله الوحيد. إِنَّ خطيئةَ إِنسانٍ واحد، وهو آدم، قدِ ٱستطاعتْ حقًّا أَنْ تُدخِلَ الموتَ إِلى العالم. فإِذا كانَ بعُصيانِ واحدٍ سادَ الموتُ العالم، فكيفَ ببرِّ واحدٍ لا تسودُ الحياةُ بٱلأَكثر! وإِذا كانَا طُردا منَ الفردوسِ بسببِ شجرةِ الحياة، أَفلا يدخُلُ المؤمنونَ الفردوسَ بسهولةٍ أَكثرَ بسببِ شجرةِ يسوع؟ إِذا كانَ الإنسانمُ الأَوَّلُ المجبولُ منَ التُّرابِ أَدخلَ الموتَ الشَّامل، أَفلا يستطيعُ الَّذي جبلَهُ منَ التُّراب، وهو الحياة، أَن يمنحَهُ الحياةَ الأَبديَّة؟
الرّسالة: 2 بط 1: 12-21
12 لذٰلك سأعنى دومًا بتذكيركم هٰذه الأمور، وإن كنتم عالمين بها، وراسخين في الحقيقة الحاضرة عندكم.
13 وأرى أنّه من العدل أن أنبّهكم وأذكّركم، ما دمت في هٰذا المسكن، أي في جسدي،
14 وأنا عالم أنّ رحيلي عن هٰذا المسكن قريب، كما أوضح لي ربّنا يسوع المسيح.
15 وسأبذل جهدي لكي يمكنكم أن تتذكّروا تلك الأمور كلّ حين بعد رحيلي.
شهادة الرّسل
16 فإنّنا قد عرّفناكم قدرة ربّنا يسوع المسيح ومجيئه، لا بٱتّباع خرافات ملفّقة، بل لأنّنا كنّا شهود عيان لعظمته.
17 وهو الّذي أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، حين جاءه من المجد الأسمى صوت يقول: "هٰذا هو ٱبني الحبيب الّذي به رضيت!".
18 ونحن أيضًا قد سمعنا هٰذا الصّوت الآتي من السّماء، حين كنّا معه على الجبل المقدّس.
كلام الأنبياء
19 وهٰكذا صار كلام الأنبياء أكثر ثباتَا عندنا. وحسنًا تفعلون إن وجهتم نظركم إليه كما إلى سراج منير في مكان مظلم، إلى أن يطلع النّهار ويشّرق كوكب الصّباح في قلوبكم.
20 وٱعلموا قبل كلّ شيء، أنّه ما من نبوءة في الكتاب تفسّر بٱجتهاد خاصّ؛
21 لأنّه ما من نبوءة أتت بمشيئة إنسان، ولٰكنّ الرّوح القدس دفع أناسا قدّيسين فتكلّموا من قبل الله
شرح آيات الرّسالة:
12-15 وصية الكاتب الأخيرة، في بدء الرّسالة، دليل، في نظر الشّارحين، على أنّها من يد كاتب، غير الرّسول كاتب الرّسالة الأولى؛ وهو يحاول أن يخفي شخصيّته الضّعيفة، بشخصيّة بطرس، هامة الرّسل، وسلطته.
12 يه 5؛ 1 بط 10-12؛ 1 يو 2/21.
13-14 آش 38/12؛ حك 9/15؛ 2 قور 5/1-10؛ يو 21/18-19.
13 المسكن: اللّفظة اليونانيّة "مسكن، خيمة" لم ترد في العهد الجديد سوى ثلاث مرَّات، هنا، وفي الآية التَّالية، وفي رسل 7/46. صورة الخيمة تدلّ على وجود الإنسان الموقّت على الأرض، وعبوره الدّائم شطر الملكوت السّماويّ (1/11).
14 رحيلي عن هٰذا المسكن: صورة الخيمة كما في الآية السّابقة. إشارة إلى موت الكاتب، ربّمَا إلى يو 21/18.
15 رحيلي: حرفيًّا "خروجي".
تلك الأمور: قد يُشير الكاتب بذٰلك إلى ما ضمّن رسالته من تعاليم، تبقى بعد مماته هَدْيًا للمؤمنين.
16 1 قور 15/23؛ لو 9/31-32؛ يو 1/14.
مجيئه: يرى شرّاح أنّ تجلّي الرّبّ عربون لمجيئه النُّهيويّ. لٰكنّ الأناجيل الإزائيّة ترى أنّه عربون القيامة المجيدة (متّى 17/9؛ مر 9/9-10؛ لو 9/31). فالمجيء هنا يعني ظهور الرّبّ في الجسد، وبشارته الخلاصيّة وموته وقيامته. وما تبشيرالرّسل إلّا شهادة لما رأوه بأمّ العين في شخص الإنسان يسوع من قدرة وعظمة إلٰهيّة (1/1).
خرافات ملفّقة: تحذير من المعلّمين الغنوسيّين، الّذين لا ينفكّون يختلقون نظريّات وهميّة، ويلفّقون تعاليم كاذبة، كما في (3/3-4)، ليُضلّوا عقول المؤمنين. أمّا تعليم الكاتب فيرتكز على شهادة عيان رسوليّة لحدث تجلّي الرّبّ يسوع على الجبل (1/17-18). هٰذه الآية من أهمّ نصوص العهد الجديد: تربط موضوع الإيمان بحقيقة التّاريخ، وتركّز الإيمان على شهادة شهود عيان لحدث المسيح التّاريخيّ (1 يو 1/1-3).
17-18 متّى 17/1-5؛ مر 9/2-7؛ لو 9/28-35.
الجبل المقدّس: هٰذه التّسمية إشارة إلى "جبل سيناء"، جبل الوحي، وهو رمز إلى "جبل التّجلّي".
19 1 بط 1/10-12؛ رؤ 2/28؛ لو 1/78
كلام الأنبياء: أي كتب العهد القديم، وقد تحقّقت كلّها بظهور الرّبّ يسوع، في تجلّيه بالمجد الإلٰهيّ، وبنور الوحي الجديد، الّذي يفوق القديم، كما يفوق بزوغُ النّهار، وإشراقُ كوكب الصّباح، ضوءَ سراج منير في مكان مظلم!
20-21 يظهر هنا بوضوح إلهامُ الكتب المقدّسة، ووجوب تفسيرها وفق تقليد الرّسل القدّيسين. راجع شرح 2 طيم 3/15-16.
20 2 طيم 3/16؛ 1 بط 1/11؛ رسل 3/21.
21 لٰكن الرّوح القدس… من قِبَل الله: "الرّوح القدس" و"الله" كلاهما، في الأصل اليونانيّ، في صورة النّكرة، في توازٍ مناقض لكلمتين في صورة النّكرة أيضًا: ما أتت نبوءة "بإرادة إنسان"، بل "بالرّوح القدس"؛ "أناس" تكلّموا، ولٰكن بقوّة "إلٰه"! ويمكن ٱعتبار حذف التّعريف، لغويًّا، بسبب الإضافة، وبسبب الحرف الجار!
دُفع أناس قدّيسين فتكلّموا من قبل الله: في البرديّ 72، والمجلّد الفاتيكانيّ، ومجلّدات أخرى وترجمات قديمة. وفي المجلّد الأفراميّ "دُفع أناس قدّيسون فتكلّموا من قبل الله". وفي المجلّد السّينائيّ، ومجلّدات أخرى كبرى وصغرى، وترجمات قديمة عدّة "دُفع أناس قدّيسو الله فتكلّموا".
الإنجيل
يو 8: 21-30
يسوع رسول الآب
21 وعاد يسوع يقول لهم: "أنا أمضي، وتطلبونني وتموتون في خطيئتكم. حيث أنا أمضي لا تقدرون أنتم أن تأتوا".
22 فأخذ اليهود يقولون: "أتراه يقتل نفسه؟ فإنه يقول: حيث أنا أمضي لا تقدرون أنتم أن تأتوا!".
23 ثمّ قال لهم: "أنتم من أسفل، وأنا من فوق. أنتم من هٰذا العالم، وأنا لست من هٰذا العالم.
24 لذٰلك قلت لكم: ستموتون في خطاياكم. أجل، إن لم تؤمنوا أنّي أنا هو تموتوا في خطاياكم".
25 فقالوا له: "أنت، من أنت؟". قال لهم يسوع: "أنا هو ما أقوله لكم منذ البدء.
26 لي كلام كثير أقوله فيكم وأدينكم. لٰكنّ الّذي أرسلني صادق. وما سمعته أنا منه، فهٰذا أقوله للعالم".
27 ولم يعرفوا أنّه كان يحدّثهم عن الآب.
28 ثمّ قال لهم يسوع: "عندما ترفعون ٱبن الإنسان، تعرفون حينئذ أنّي أنا هو، وأنّي لا أعمل شيئًا من تلقاء نفسي، بل كما علّمني الآب أتكلّم.
29 والّذي أرسلني هو معي، وما تركني وحدي، لأنّي أعمل دومًا ما يرضيه".
30 وفيما هو يتكلّم بهٰذا، آمن به كثيرون.
شرح آيات الإنجيل:
21 يو 7/33-36؛ 13/33، 36؛ تث 24/16؛ حز 18/20؛ 33/12-20.
لا تقدرون أنتم أن تأتوا: (يو 7/34) من أبى الإيمان بيسوع حكم على نفسه بالهلاك، لأنّه خطىء ضدّ الحقّ (8/40، 45، 46)، ضدّ الرّوح القدس، روح الحقّ (متّى 212/31)، ولا ينجو من سلطان الخطيئة والموت إلّا بالإيمان بيسوع. وما الخلاص إلّا العبور مع يسوع إلى جوار الآب.
22 يو 7/35.
23 يو 1/10؛ 3/31؛ 17/14.
24 يو 13/19؛ آش 43/11.
أنا هو: تعبير خاصّ بيوحنّا (8/28، 58؛ أنظر 18/5، 8). ورد هٰذا التّعبير في (تث 32/39)، وفي (آش 3/10)، كإسم لله، كما أوحى به إلى موسى (خر 3/14)
وهو إلٰه إسرائيل، الإلٰه الحقّ الأحد. تسمّى يسوع بٱسم الله مُعلنًا لنا ألوهته، ولليهود أنّه إلٰههم، ورجاؤهم ومخلّصهم.
25 أناهو ما أقوله لكم: نُقِل الأصل اليونانيّ نقولًا مختلفة، نُقِل على أنّه سؤال يرفض الجواب: "أفعَليّ أن أقول لكم؟" أم "وقبل كلّ شيء لِمَ أخاطبكم؟"… تعدّد التّرجمات دليل على غموض في النّص، أو تشويهه، وترجمتنا تعني أنّ يسوع لا يزال منذ البدء، يُعلن للنّاس أنّه مَن أرسله الآب، وأنّه حكمة الله.
26 يو 7/28؛ 12/49.
28 يو 3/14؛ 5/19؛ 12/31-32؛ متّى 8/20.
عندما ترفعون ٱبن الإنسان: لثاني مرّة يتكلّم يسوع، في يوحنّا، على ٱرتفاع ٱبن الإنسان. راجع شرح يو 3/14. بموت يسوع وقيامته وصعوده، تظهر ألوهة يسوع، وتظهر حقيقة ما قال وعلّم (7/39)، وكفر من لم يؤمنوا.
29 يو 8/16؛ 10/30؛ 16/31.
والّذي أرسلني هو معي: كان الله يعد، في العهد القديم، من يرسلهم في مهمّة خاصّة، أن يكون معهم ويقوّيهم (خر 3/12؛ يش 1/5؛ 1 مل 10/7؛ إر 1/8؛ عا 5/14). يطبّق يسوع على نفسه وعد الله لمرسَليه، ويتّخذ حضور الله في يسوع معنى جديدًا فريدًا (يو 16/32).
ما يرضيه: أو "الأمور الّتي ترضيه"، وهو في الأصل اليونانيّ نعت بصيغة الجمع. لم يرد، في العهد الجديد، إلّا هنا، وفي (1 يو 3/22)، وفيه صدى نصوص كتابية من العهد القديم (خر 15/26؛ تث 6/17-18؛ 13/19؛ آش 38/3). ما يرضي الله حفظ وصاياه، وهو الشّرط الأساسيّ لكي يحفظ الله شعبه، ويحيا به شعبه.
30 يو 2/23؛ 7/31؛ 10/42؛ 11/45؛ 12/11، 42.
آمن به كثيرون: آمنوا إيمانًا سطحيًّا ناقصًا (2/23؛ 7/31؛ 10/42؛ 12/11، 42). كان من الطّبيعيّ أن يتأثر السّامعون بكلمات يسوع وآياته (2/11؛ 2/23؛ 3/2؛ 4/53؛ 6/26)، ولٰكنّ اليهود الّذين آمنوا به هنا لم يصيروا تلاميذه، وهم لا يزالون يضمرون قتله (8/37).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.
