#dfp #adsense

وماذا عن “مزارع لاسا” و”سلاحها الاستراتيجي”؟!

حجم الخط

فيما كان البطريرك بشارة الراعي كريماً مع "حزب الله" الى حدّ منحه غطاء استراتيجيّا، بما لبكركي من وزن في التاريخ والجغرافيا، كان "الحزب" ينشغل في تغطية التعدّي على عقارات لهذه البطريركية ولرعاياها في لاسا… بتسريع وتيرتها وتوسيع رقعتها، حيث يسمح التاريخ والجغرافيا!

هذه هي الصورة كما تراها شخصيّة روحيّة متابعة. وفي أيّ حال، كان مثيراً كلام البطريرك القائل باحتفاظ "حزب الله" بسلاحه الى ما بعد انسحاب إسرائيل (من مزارع شبعا)، فيما ظِلُّ السلاح يغطّي هذه التجاوزات في مزارع لاسا وأخواتها. وهناك في 8 آذارمن يَعِدُ بأن يكافئ "الحزب" بطريرك الموارنة، في لاسا، على موقفه. لكن تجارب الدعم التي قدّمها العماد ميشال عون لـ"الحزب" لا توحي بأنّ الشريك الشيعيّ يردّ الدعم في الأمور الاستراتيجية، ولا حتى في منصب، بل يكتفي بتمرير مزيد من الحصص الشخصيّة، بحيث تبدو وكأنّها رشوة. ولا أحد يعتقد بأنّ بطريرك الموارنة يقبل الوصول الى وضع مماثل.

أكثر ممّا يطلب "الحزب"

الأرجح أنّ الجانب الداخلي من كلام البطريرك هو خصوصا ما فجّر غضب مسيحيّي "14 آذار"، وأمّا الجانب المتعلّق بالمخاوف من إسقاط النظام في سوريا فيأتي ثانيا.

ففي نظر مسيحيّي 14 آذار، ذهب البطريرك في دعوته لبقاء السلاح أكثر ممّا يطمح إليه "الحزب" نفسه. وهو نفى نهائيّا الحاجة الى حوار حول الاستراتيجية الدفاعية. وبعد اليوم، سيكون صعباً على رئيس الجمهورية الماروني القيام بدور في هذا المجال. وفي المقابل، وجّه الراعي إدانة مسبقة لطائفة لبنانيّة، عندما توقَّع تحالفها مع سُنّة سوريا ضدّ المسيحيّين، إذا سقط النظام. وفي رأي الشخصيّة الروحيّة نفسها أنّه لولا البعد الداخلي لمواقف الراعي لبقيت الردود على موقفه "المبدئيّ" المتخوّف من الآتي بعد النظام، عند حدود مقبولة. فليس سرّاً وجود هواجس لدى مسيحيّي لبنان والشرق عموماً إزاء احتمالات التغيير في المنطقة، على رغم وقوفهم ضدّ تسلّط الأنظمة، لكنّهم لا يمتلكون تصوّراً واحدا إزاء الخارج. والفاتيكان يشاركهم هذه الهواجس. وتوحي الدعوة التي قد تُوجِّهُها بكركي لعقد مجلس البطاركة الكاثوليك، برغبة لدى البطريرك لإثبات أنّ موقفه ليس اجتهاداً شخصيّا، بل يحظى بغطاء فاتيكانيّ. فالبطاركة شاركوا في الخريف الفائت في "السينودس من أجل مسيحيّي الشرق الأوسط"، وهم ينسّقون جهودهم مع البابا بنديكتوس السادس عشر في الشؤون المتعلّقة بمستقبل المسيحيّين. وسيكون أيّ موقف جامع لهم في بكركي إشارة الى دعم الفاتيكان لتوجّهات البطريرك الراعي.

وينقل سياسيّ بارزٌ زارَ الفاتيكان أخيراً أنّه سمع كلاماً يعبّر عن المخاوف إزاء مستقبل المسيحيّين بعد تغيير الأنظمة في المنطقة. وينقل عن رئيس المجلس الحبري للحوار بين الأديان الكاردينال جان لوي توران تعبيره عن القلق من نموّ السلفيّات الدينية وعدم قدرتها على إنتاج أنظمة تتقبّل الآخرين. وهو ينظر في قلق الى تدهور حضور المسيحيين في إسرائيل، وفي العراق خلال السنوات الأخيرة. ويلتقي الفاتيكان هنا مع مواقف الكنائس الأورثوذكسيّة الشرقية، ولاسيّما كنيسة الروم الأورثوذكس، والكنيسة والدولة في موسكو. ومعلوم موقف البابا الحاليّ من السلفيّة الإسلامية، وهو عبّر عنه في مطلع ولايته، وما تزال تداعياته قائمة حتى اليوم.

المسيحيّون بين الحذر والمحاذير

ومع انطلاق الثورة في سوريا، بدا مسيحيّو 14 آذار حذرين في التعبير المباشر عن موقف إزاء تغيير النظام، وجاراهم حلفاؤهم. ومع تظهير "تيّار المستقبل" موقفاً أكثر وضوحا، خرج مسيحيّو 14 آذار عن تحفّظهم، لكنهم لم يقفوا في الواجهة.

ولذلك، عندما أعلن الراعي موقفه إزاء النظام من باريس، عارضه مسيحيّو 14 آذار، لكنّهم لم يفجّروا انتقاداتهم إلّا حين أسقط موقفه على الملفّ الداخلي، من خلال عنوانين: السُنّة في لبنان سيتحالفون مع السُنّة في سوريا لاستهداف المسيحيّين، واحتفاظ "حزب الله" بسلاحه حتى زوال الاحتلال. عندئذٍ بلغ الاعتراض مداه الأقصى، الى حدّ احتمال مقاطعة اجتماع بكركي الموسّع.

وهنا خصوصاً تكمن الأزمة الداخلية. فليس في تاريخ بكركي ما يبارك سلاحا لفئة خارج الدولة، ولو مسيحيّة، أو ما يشير بالإصبع الى طائفة لبنانية بكاملها، بتهمة استهداف المسيحيّين. وما قاله الراعي عن السُنّة كطائفة لم يقله سلَفه البطريرك نصرالله صفير مثلاً عن الشيعة كطائفة. وإذا لم يصدر إيضاح للموقف البطريركي في الاتّجاهين، فإنّ إشكالات عميقة ستعترض بكركي، ولا يمكن أن يكون البطريرك في صدد القبول بوقوعها. والعودة الى الأرشيف تضيء على المواقف الحقيقية لـ"المطران" بشارة الراعي من هذه النقاط الساخنة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل