لم يكن أحد في حاجة للاستماع الى الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي وهو يتساءل أول من أمس، عما فعلته الجامعة للعرب ومشاكلهم. كان يكفي أن يتأمل المرء في رمزية وقوف رجب طيب أردوغان أمام مجلس الجامعة ليرى عالماً يقوم بعد قرن من الانهيار وعالماً يمضي منذ قرن في طريق الانهيار.
كانت الصورة مثيرة تماماً في الدورة السادسة والثلاثين بعد المئة لمجلس الجامعة، فقبل مئة عام تقريباً انهارت الامبراطورية العثمانية بعدما حكمت المنطقة العربية أكثر من أربعة قرون. كانت السلطنة في اسطنبول وكان الرعايا في هذا الاقليم التي يعشق الخمول. الطريقة التي استقبل بها أردوغان في الجامعة والترحيب الحماسي الذي وجده في القاهرة وسيجده في تونس وليبيا يدفعان الكثيرين الى القول: هذا حفيد السلطنة يصل ليتفقد الأمة.
دخل قاعة الجامعة في"احتفالية تاريخية" كما كتب في مصر. صفق له وزراء الخارجية العرب والوفود وقوفاَ. تحدث الأمين العام للجامعة عن الدور العظيم الذي تؤديه أنقرة وعن "الصديق الكبير أردوغان"، الذي وقف ليتحدث مستعملاً كلمة "شعوبنا" أكثر من مرة، موحياً بأنه يدخل المنطقة كلاعب إقليمي كبير جاء يملأ هو أيضاً، قسماً أساسياً من الفراغ الذي تحاول إيران ملأه، ودائماً دائماً عبر فلسطين وطبول القضية، سواء في دعوة طهران الى إزالة إسرائيل من الخريطة كما يقال، أو في رفع تركيا رايات الغضب التركي في وجه اسرائيل من دافوس الى غزة.
عندما يوافق أردوغان على نشر الدرع الصاروخي الأميركي في تركيا لمراقبة إيران، ثم يذهب ليجول في دول "الربيع العربي" رافعاً شعار "الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان" هدفا لمستقبل المنطقة، وداعياً الى تطبيق مبادئ الدولة العلمانية ومشدداً على أنها لا تعني دولة اللادين، فإنه يبدو كمن يطلب اعتماداً أميركياً وأوروبياً ليكون القوة المحورية في هذا الإقليم.
أما عندما يعلن الانخراط في مواكبة التطورات العربية، ويدعو الى "مستقبل عربي – تركي مشترك"، مكرراً رفع الصوت في وجه النظام السوري وداعياً الى وقف حمام الدم واستجابة مطالب الشعب، وكذلك عندما يواصل قرع طبول فلسطين ويتعمد تكرار التذكير بأن "تركيا والعرب يشتركون في العقيدة والثقافة والقيم… وان القرآن نزل في مكة وقرئ في مصر وكتب في اسطنبول"، فانه يبدو في نظر الكثيرين كمن يحاول ان يقضم الجزء الأكبر من قالب الجبن العربي الذي تجتهد إيران منذ ربع قرن في محاولة أكله بأنياب القضية الفلسطينية.
يقول أردوغان: "إن تركيا ليست جزءاً من جغرافية المنطقة وحسب، بل لها مع العرب تاريخ مشترك ومستقبل واحد"… أما عن الجغرافيا فإنها واقع دائم وثابت وأما عن التاريخ فإن السلطنة كتاب أسود بحق العرب، وأما عن المستقبل فإنه لا يبشر كثيراً إذا بقيت المنطقة مجرد مشاع سائب أمام الثلاثي التركي والإيراني والإسرائيلي.