#dfp #adsense

يكفي المسيحيّين خريف واحد اسمه عون

حجم الخط

كان نديم الجميّل في الأمس الأكثر تعبيرا عن تطلّعات مسيحيّي 14 آذار، فكسر معهم جدار الخوف المصطنع ودفن الذمّية في مستودع المهملات حيث تستحقّ أن تكون.

المسيحيّون لم يعودوا أهل ذمّة، بل ربّما لم يعودوا أقلّية خائفة، فهناك في المحيط القريب مَن أصبح يتشابه معهم ويتشابهون معه، هناك مَن أصبح يهتف للحرّية، وللديموقراطية، وهناك مَن كسر السجن الكبير وأعتق كرامة الانسان من أسرها، وهناك فضاء جديد يجمع الناس على قواسم مشتركة، ويطيح كلّ المعايير القديمة، خطّ يعود يصحّ بعد الربيع العربي، وبعد هذا النضال السلميّ العنيد، ان يصنّف الانسان العربي على اساس رسم الحدود بين هذه الطائفة وتلك، وهذا المذهب وذاك، إذ إنّ بشائر الربيع وضعت هذه الفئة من الناس التي آمنت بقيم الحرّية والعدالة والديموقراطية وحقوق الانسان وبكلّ ما يحتويه مفهوم الحداثة من معنى، وضعتها في موقع واحد في معركة واحدة مع الحقبة التي يكاد الربيع العربي يدفنها برموزها ومناصريها وحلفائها ومنظّريها وشبّيحتها دفنا لا مجال بعده للقيامة في اليوم الثالث.

ووفق هذه القاعدة التي لا تخطئ فإنّ كلّ من حدّد موقعه وموقفه بالنسبة الى الربيع العربي وثورة الحرّيات في العالم العربي، يكون قد قام بفعل لا عودة عنه، على الأقل مَن سجّل المستقبل الآتي والتاريخ الذي بات من الصعب أن يزوَّر.

فهل من الصعب مثلا أو غير المنصف وضع أبطال حقبة الديكتاتوريات البائدة من زين تونس حتى مبارك مصر الى قذافي ليبيا الى أسد سوريا، الى عون لبنان وحزب الله، الى كلّ من دعم وساند آلات القمع والتنكيل الوحشي وقطع الرؤوس واقتلاع الحناجر، في خانة واحدة؟

وفي المقابل هل من الصعب وضع مفجّري الربيع العربي ونشطاء الحرّية في تونس ومصر وليبيا وسوريا، واستطرادا لبنان، في موقع واحد، الحدود الطائفية فيه تتفاعل الى حدّ "التلاشي"، والقيم الحداثية المشتركة تتّسع الى حدّ يختلّ بروز طوائفه، لا لون طائفيّ لها بل انتماء الى مبادئ يستطيع كلّ انسان ان ينتمي اليها على اختلاف دينه ولونه وعرقه؟

ليس من الصعب أبدا أن يحصل هذا الفرز القيمي، وقد حصل فعلا، وما على أيّ مراقب إلّا أن يتابع ما يجري في مصر وتونس وليبيا ما بعد نجاح الثورة، وما سيحصل في سوريا ايضا، ليدرك أنّ كلّ النخب الاجتماعية والسياسية التي استمرّت تبحر على سفن الأنظمة البائدة غرقت معها عند السقوط ولم تجد لها مكانا في مستقبل بلدانها وشعوبها.

إنطلاقا من هذا الفرز العابر للحدود والطوائف والمذاهب كان خطيرا جدّا ما كادت الكنيسة المارونية ان تذهب اليه بعد التصريحات الباريسية، إذ كادت ان تحدّد موقعها الى جانب الأنظمة التي انهارت او تلك التي تنتظر، وكادت ان تقلّد أحد أبرز داعمي أنظمة الاستبداد ميشال عون الذي ابتدأ حياته السياسيّة عام 1989 على شكل ربيع مزيّف يقول: "فخر للبنان ولشعب لبنان أن يقف جنرال بلباس مرقّط ويقول للعالم إنّ الوجود خارج الحرّية هو شكل من أشكال الموت". بينما بات المبشّر بالحرّية نفسه اليوم متظلّلا بتحالف الأقلّيات المعمّد بدماء الاكثرية.

لقد صوّب رأس الكنيسة، وأعاد تقييم المسار، ولو لم يفعل لكان على كلّ المسيحيّين أن يسلكوا طريقا خطرا في مواجهة حركة التاريخ وحرّية الشعوب، ولكان عليهم أن يحاربوا الربيع بالخريف، ويكفيهم أن يكون لديهم خريف واحد اسمه ميشال عون.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل