"إذا اردت ان تبيد شعباً فأنسه تاريخه واكتب له تاريخاً آخر، فيضيع حاضره ومستقبله، لذلك علينا مواصلة هذا التاريخ المجيد لنكون على قدر التحدّيات"(البطريرك مار بشارة بطرس الراعي/15 شباط 2011).
في الأول من آب العام 1515م ارسل البابا ليون العاشر رسالةً الى البطريرك الماروني سمعان الحدثي اثنى فيها على الشعب الماروني مُشبهّاً إيّاه بـ "الوردة بين الأشواك". لم يكن هذا التشبيه في حقيقته نابعاً من ثبات الموارنة في الإيمان فحسب، وإنما لتمكنّهم ايضاً من الصمود وخلق واحةٍ خضراء للنور والحرية وسط بحرٍ هائجٍ من الظلم والأشواك.
في الواقع، إن ثبات الموارنة على الإيمان الخلقيدوني القويم يتكامل مع مسيرتهم التاريخية في الذود عن الحريّة والدفاع عن المبادىء الإنسانية العامّة، فبالعودة الى نشأة المارونية كمذهبٍ ديني على يد رهبان دير مار مارون في القرن الخامس للميلاد، يتبيّن ان الدور الأساس الذي حتّم وجود هذا المذهب كان الدفاع عن مقررات المجمع الخلقيدوني المُنعقد في العام 451م، والذي اقّر بوجود طبيعتين في المسيح، الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية.
ولمّا كانت معظم الفرق المسيحية المونوفيزية في الشرق تُضفي على المسيح طبيعةً إلهية وتُنكر عليه طبيعته الإنسانية، انبرى رهبان دير مار مارون للدفاع عن إنسانية المسيح ابن الإنسان، ممّا انعكس على المارونية احتراماً للمبادىء الإنسانية وكرامة الإنسان، وهو ما ظهر جلياً من خلال احتضان "جبل لبنان الملجأ" لكل مُضطهدٍ بسبب عقيدته الدينية او آرائه السياسية.
من هنا فإن تاريخ نشأة المارونية ليس في حقيقته سوى تاريخ دفاعها عن الإنسان والإنسانية التي كانت بالأساس علّة وجودها كمذهب ديني خلقيدوني.
لذلك، و"لكي لا ينسى الشعب الماروني تاريخه فيضيع حاضره ومستقبله، ولكي يُثابر هذا الشعب على مواصلة تاريخه المجيد"، كما يقول البطريرك الراعي نفسه، عليه ان يتذكّر دوماً أن تاريخ الموارنة مُشبع بالحرية وبالذود عن الإنسانية والدفاع عن كل مُضطهدٍ ومظلوم بصرف النظر عن أية اعتباراتٍ آنية او مصالح سياسية، فأن ينسى الموارنة تاريخهم المجيد ويتحوّلوا اذلاّء في ذمّة ديكتاتورية من هنا او طاغيةٍ من هناك، ذلك يعني ان "هذا الشعب في طريقه الى الإبادة"، كما يقول البطريرك الراعي بهذا الخصوص ايضاً.
إن تاريخ الموارنة المجيد، يجزم ويؤكد أن هذا الشعب العريق بتراثه الإنساني لن يُصاب بعوارض ستوكهولم حيث تتفشّى الذمّية ويغدو المرء خادماً لجلّاديه، فهوية جلّاد الموارنة وقاتل زعمائهم ورجالهم معروفة، وهوية سفّاح الموارنة الذي دكّ قراهم وبلداتهم بفوهات الـ 240ملم معروفة، وهوية من اعتقل واخفى وقتل في سجونه الآلاف من شبّانهم معروفة ايضاً…
لن يُصاب الموارنة بعوارض ستوكهولم لأن قادة حركتهم التاريخية ما زالوا امناء للقضية الأمّ التي حتمّت نشوء المارونية وهي باختصار: قضية الدفاع عن الحريّة والإنسانية…
لن يُصاب الموارنة بعوارض ستوكهولم ولن يتحوّلوا اهل ذمّة، فقادة حركتهم التاريخية يدعمون الربيع العربي بالكلمة والموقف الحّر، لأن ثوابتهم التاريخية تُلزمهم بذلك اولاً، ولأن الدفاع عن الإنسانية، علّة وجود الموارنة، تفترض دقّ مسمارٍ في نعش نظام الطاغية لا رفده ببعض الدعم الذميّ، وذلك بغية كشف مصير مئات اللبنانيين والمسيحيين المخفييّن قسراً في معتقلاته…فالموارنة ليسوا مصابين بعوارض ستوكهولم وليسوا اهل ذمّة، ولا هم مواطنين درجة ثانية كي يتناسوا معتقليهم المخفيين قسراً بالآلاف، مُستذكرين بالمقابل سجّانهم وقاتلهم "بالخير والبركة"، فيما الطائفة الشيعية بشيبها وشبابها لا تألو جهداً لإسقاط نظام الطاغية القذّافي من اجل مجرّد الكشف عن مصير الإمام الصدر ومرافقَيه.
ليست المسألة مسألة جيرة او أخوّة وتضامن مع النظام-الطاغية بمواجهة العدوّ المشترك إسرائيل كما يعتقد بعض "السطحيين والإنتهازيين"، وإنما الأمر مُرتبطٌ اساساً بسلوك وارتكابات هذا النظام تجاه اللبنانيين اولاً، وتجاه شعبه بالذات ثانياً، وليس تجاه هذا العدّو المشترك. إنها قضية إنتهاكٍ لحقوق الإنسانية جمعاء، وبالتالي فإن "المثابرة على مواصلة التاريخ المجيد لنكون على قدر التحديّات" تقتضي ان يبقى الموارنة متصالحين مع تاريخهم اولاً، ومتضامنين مع أي شعبٍ يتعرّض للإضطهاد ثانياً، تماماً مثلما تجندّت البطريركية المارونية ومن خلفها كل المسيحيين للدفاع عن الشعب الفلسطيني يوم حلّت النكبة بالأبرياء.
صحيحٌ ان الخوف من الأصولية مُبررّ ومشروع، ولكن هذا الخوف لا يُبيح كل المحظورات، ولا يُشرعن كل الإرتكابات والجرائم، ولا يفترض إنقلاباً جذرياً على كل القيم الإنسانية والمسيحية، وصحيحٌ ايضاً ان الخوف من الأصولية مبرر ولكن التغلّب على هذه الأصولية لا يكون بتبرير الجرائم وقتل الأطفال وبدعم ديكتاتوريات شكلّت بالأساس سبباً مباشراً لتنامي هذه الأصوليات.
وفي الختام نقول بأن القهر والظلم يولّدان الحقد، والحقد سلاح الضعيف والمقهور، وغاية الحقد تُبرر كل الوسائل، بما فيها الأصولية بالذات. وبالتالي فإن الأصولية هي النتيجة وليست السبب، والُمستبّد هو عملياً وموضوعياً الأرض الخصبة والراعي "الصالح" للأصولية وللإرهاب و"المُفسد الحقيقي في أمور الدنيا والآخرة". من هنا فإن التخلّص من الأصولية يفترض اولاً التخلصّ من مُسببّاتها، وليس تبرير مزيدٍ من القهر والظلم والإستبداد.