تبدو قوى 8 آذار بعد ثلاثة أشهر من التجربة الحكومية أمام مفارقة فريدة لم تواجهها سابقاً وتتمثل في اضطرارها قسراً الى التكيف المرن والصعب مع حلفاء متحركين و"مدللين" والذي تفرضه ضرورات الحفاظ على الحكومة والأكثرية التي انتجتها. وقد اتضحت هذه المفارقة في فقدان الائتلاف الحكومي اكثرية ثابتة في مجلسي النواب والوزراء. بحيث لم يعد ممكناً احتساب اكثرية وأقلية الا في ضوء طبيعة الملف الذي يطرح. ومعنى ذلك ان هناك أقلية وسطية باتت تتحكم بتوجيه دفة القرارات أكثر من الفريقين العملاقين اللذين يهيمنان على اللعبة السياسية بفعل التوازن الهش الذي جعل الكتلة الوسطية ترتع سعيدة على هذا الموقع المقرر.
في البعد السياسي الكبير لهذا الواقع يبدو واضحاً ان المرحلة الانتقالية التي تحكم لبنان في ظل الأزمة السورية تفرض على فريق 8 آذار وضع الكثير من المياه في نبيذه كما تملي على فريق 14 آذار التحلي بقدر استثنائي من الانتظار. فيما يغدو الوسطيون حمالي اوجه يتقدمون سياسات التكيف والتعايش مع تقطيع الظروف والوقت بالتي هي أحسن.
ولكن ذلك لا يعني أخذ الوسطيين بجريرة التعميم. ففي سلم المراتب، يحل النائب وليد جنبلاط في المرتبة الاولى "المنهكة" و"المرهقة" لقوى 8 آذار التي يذيقها الآن ما سبق له ان أذاقه لقوى 14 آذار لدى حصول الانفصال الكبير. مع فارق ان قوى 8 آذار ستضطر الى تجرع كاس صدماته المفاجئة لان اي انحراف بها الى صدام عنيف معه قد يؤدي بالأكثرية الهشة الى الانهيار
.
ويحل الرئيس نجيب ميقاتي في المرتبة الثانية الاقل انهاكاً من حيث اضطرار قوى 8 آذار الى تركه يوسع هامش "استقلاليته" على امل توسيع زعامة سنية تقارع الزعامة السنية الحريرية الاقوى اطلاقا.
اما رئيس الجمهورية ميشال سليمان فيمثل الوسطية الاكثر ارتياحاً والأقل كلفة لقوى 8 آذار في ظلّ اكتفائه بامساك العصا من وسطها ضمن الائتلاف الحكومي. في انتظار ظروف تتيح له المبادرة بعد اخفاق محاولته في احياء طاولة الحوار.
بذلك لا يعدو غريباً ان يرتب اي ملف اساسي تطرحه الحكومة معركة طويلة عريضة حيال حسابات اطرافها. وليس أدل على ذلك من المعادلة الصعبة التي تجري في ظلها الآن "المفاوضات" الحكومية في شأن ملف تمويل المحكمة الدولية. وهي معادلة "اما الحكومة واما المحكمة"، لان خيار السير في التمويل سيكون على حساب "حزب الله" وخيار قطعه سيكون على حساب الحكومة. وكما تداخلت في ملف الكهرباء حسابات الوسطيين مع حسابات المعارضة سيكون الأمر اشد احراجاً هذه المرة اذا اعاد تثبيت واقع تبدل معادلة الاكثرية والاقلية على هذا النحو المبكر الذي يدهم الحكومة ويضع قرارها الحاسم في يد ثلث متحرك "لا يؤمن جانبه".