لا يعرف أهل الممانعة التفريق بين التقني والسياسي. يربطون هذا بذاك تبعاً للمألوف والدائم: ما يأتي من الآخرين شرٌ وغلط رغم ايجابيته وبنائيته، وما يأتي من داخلنا حقٌّ وصحّ رغم سلبيته وعجائبيته.
اجتماع اللجان المشتركة يوم امس كان عينّة حديثة عن ذلك الأداء القديم. يقدّم نواب 14 آذار جردة تقنية حسيّة ملموسة وطبيعية في شأن خطة الكهرباء، فيتكهرب الاخوان الخلاّن في الفريق الانقلابي ويردّون بالشتم السياسي..
وكأن ذلك المراس أصليّ وليس فرعياً آتياً من أصل آخر: إما أن نحكم نحن وإما لا نترك 14 آذار تحكم. ولا تهمّ الطريقة طالما ان الخيارات متوافرة ومفتوحة. يُعتمد التعطيل في الشارع والسلاح مرة أو اثنتين أو ثلاث مرات. لكن التعطيل المنهجي "الأسلم" والأفعل يتم من الداخل، في مؤسسات الحكم والدولة، في مجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس الأعراف.. واللقاءات المغلقة، والاتصالات المكشوفة، والتصاريح الفالتة.
إنتهى مفعول التعطيل مبدئياً مع السيطرة الانقلابية على الحكومة وقرارها، ومع ذلك لم يتغير ذلك المراس. وكأن بعض أهل الممانعة اعتاده ولم يعد قادراً على تغيير عادته. حتى لو كانت الملاحظات المقدمة على مشروع الكهرباء (مثلاً) تؤدي في النتيجة الى تحصين صورة "الانجاز" الموعود والموضوع في خانة حكومة الانقلاب والانقلابيين.. وحتى لو كانت القراءات الخاصة به مسنودة بجبال من المنطق الدستوري والوطني العام، وليس الخاص أو الحزبي أو الشخصي. المهم انها تخرج من عند هؤلاء "الاغيار"، وذلك كاف لدمغها بالكيد وردّها الى أصحابها.
تطور إستثنائي في سياسة التعطيل، لا يمكن ان يشبه إلا أصحابه. يتمم ممارستهم الموروثة من زمن الوصاية والنظام الأمني المشترك، حيث كانت توضع امام كل خطوة إنمائية، مهما كانت صغيرة أو تفصيلية، مطبّات وعوائق كبيرة وأساسية. كل خطوة لها حسابها. وحاصل جمع كل تلك الحسابات يدخل في خاتمة المطاف والأحزان خزنة التوجه العام القائل إن المعاناة الدائمة للبنانيين في الاجمال، وإبقاء دولتهم ناقصة في كل شؤونها ومؤسساتها هما شرطان لازمان لبقاء قوس الممانعة مشدوداً ومتوتراً. ومنطق الساحة بديلاً وحيداً من منطق الوطن. ومنطق الوصاية بديلاً من وصاية منطق الاستقلال والسيادة!
.. اليوم غير الأمس. لكن الممارسة قائمة كما كانت ولم تتأثر أو تتغير. والأرجح انها ستبقى علامة فارقة تدل على نمط سياسي قاصر: يعرف كيف يصرخ ولا يعرف كيف يغني او يهدهد. يعرف كيف يدّمر ولا يعرف كيف يعمّر. يعرف كيف يعارض ويناطح ولا يعرف كيف يوالي ويُناصح. يعرف كيف يعطّل ولا يعرف كل يُشغّل. يعرف كيف يخرّب ولا يعرف كيف يُصلح.. يعرف كيف يتحكّم ولا يعرف كيف يحكم. يعرف كيف يُعارض ويُمارض ولا يعرف كيف يوالي ويعالج… بل لا يبدو انه يعرف شيئاً خارج مفهومه عن الشغل السياسي، حيث هو في عُرفه رديف مدني لعمل حزبي وأمني. وحيث البرلمان، ليس إلا بناء مُلحقاً ومتمماً للثكنة العسكرية.. وحيث ان خطة الصهر العزيز للكهرباء لا تمشي إلا على وقع صفقات، بعضها مشبوه، وبعضها مربوط بالحليف الايراني العتيد!.