لطالما صرح الرئيس بشار الأسد أن «سوريا لا تزود حزب الله بالمال ولا بالسلاح» وهذا الكلام هو نفسه لم يكن ليصدّقه، وليس صحيحاً أن سوريا تدعمه سياسياً، وأنها لا تنكر شراكتها الاستراتيجية مع حزب الله قطّ: فهو من مفاتيح قدرتها على السيطرة في لبنان؛ ويظن النظام السوري أن الحزب يمنحه شرعيةً في المنطقة كلها إذ تظهرها بمظهر الواقف إلى جانب المقاومة الإسلامية؛ ولحزب الله صلات بالقوى الشيعية في العراق وهذا يمكنها من الاستفادة منه في خلق المتاعب للاحتلال الأميركي، والأكثر أهمية هو أن قدرة حزب الله الفريدة على إلحاق الأذى بإسرائيل هي أكثر الروادع السورية فعالية ضد الجيش الإسرائيلي، وأفضل الأوراق السورية في أية مفاوضات مستقبلية بشأن الجولان.
فجأة فقدت سوريا ورقتها المفضّلة والأهم، لبنان، كان زلزال 14 شباط العام 2005 أكبر من أن يصدّقه بشار الأسد أو أن يتصوّر تبعاته، النظام السوري اعتاد على مدى عقود على اغتيال الساسة اللبنانيين وأن يظل اتهامها يردّد في الكواليس ليس أكثر، فوجئت باللبنانيين يتهمونها علناً، كانت هذه فرصة ذهبيّة لبشار الأسد في الداخل السوري فحميّة الشوام ثارت نصرة لرئيس ظنّوا فعلاً أنه شخصيّة إصلاحيّة، وهو كما يقدّم نفسه، إلى أن اكتشفوا بأنفسهم أنه النسخة الأسوأ من الديكتاتورية التي رزحت تحت نيرها سوريا طوال 4 عقود.
لم يحسن الرئيس الشاب التصرف بهذه الشعبية التي لم يحظَ بها حتى والده، وبدلاً من الانصراف إلى ترتيب شؤون وطنه الداخليّة، ظلّ طوال سنوات يكيد ويدبر المكائد للبنان وقياداته، وعندما سارع حزب الله لدعمه بعنوان شكراً «سوريا الأسد»، كان الردّ اللبناني عاصفاً…
بعد هذه الشعبية أتيحت للرئيس السوري فرصة اكتساب شرعية دولية فانتشله من عزلته الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بوساطة أمير قطر، وها هما الإثنين يدفعان ثمن ما ظنّا أن بإمكان عطّارهما السياسي إصلاحه!! وما لبث أن رحّب الرئيس الشاب بمجيء أوباما رئيساً لأميركا، حتى ظنّ كثيرون أن محور الممانعة فاز بانتخابات أميركا، وكسر أوباما قرار الكونغرس الأميركي وأعاد سفيره إلى دمشق، وما لبث خادم الحرمين الشريفين أن جنح للمصالحة العربية فبذل جهداً تاريخياً، إلا أنّ هذه كلّها تصرف النظام السوري على أنها مكافأة له واعتقد أنه انتصر وأن العالم جاءه راكعاً تحت قدمي ممانعته، وهبّت رياح التغيير الشعبي العربي، فصدّق النظام ما كتبه عنه بعض منافقيه: «التظاهرات في القاهرة تطالب ببشار الأسد رئيساً لمصر»!!
ابتلع الرئيس السوري طعم الخديعة هذا وأوهم نفسه أنه بمنأى عن هذه العاصفة، ولم يفعل شيئاً حتى يوحي ولو وهماً للشعب السوري بأن الإصلاح في نيته، إلى أن هبّت عليه الريح من سوق الحميدية وتظاهرة «صفعة الشرطي» وهتاف «الشعب السوري ما بينذلّ»… وخرج المارد السوري من قمقم الخوف والقتل، وخطأ النظام أنه حتى الساعة لم يحسن قراءة ما يدور على أرضه وما يردده شعبه، الشعب السوري لن يعود إلى المنزل، النظام هو الذي سيغادر، فقد خسر الرئيس السوري ورقته الأخيرة الحكم في سوريا، الوقت هو المسألة، والشعب ارتضى دفع الثمن، ولحظة سقوط النظام ستسقط معه منظومة كاملة إسمها «الهلال الشيعي»، خطأ بشار الأسد أنه أخذ الشعب السوري بعكس حركة تاريخه وهويته العربيّة، وانفلش الفساد في عقد من زمن حكمه كأنه وباء يأكل الشعب السوري ورزقه وحياته ودماءه أيضاً!!