النظام السوري يتحدث عن "مؤامرة" ويرفض "التدخل الخارجي":
مبررات مطلب الحماية الدولية وعزل لبنان عما يجري في سوريا غير واقعين!
يوم الجمعة الماضي؛ رفع المتظاهرون السوريون شعارات تطلب مساعدة العالم، وبالأخص الأشقاء العرب، لوقف القتل والإرهاب اليومي على المدنيين العزَّل، فيما سمي باسم <جمعة الحماية الدولية>·
اعتبر النظام أن طلب الحماية الدولية ليس إلا شكلاً من أشكال استدعاء التدخل الخارجي، فزاد من وتيرة حديثه عن المؤامرة التي تستهدف سوريا، مكرراً اسطوانة تورط أطراف لبنانية في دعم الاحتجاجات، ربطاً بما قال إنها اعترافات جديدة لضباط منشقين وقعوا في قبضة النظام(لم يثبت منها شيء ولم تحظَ بمصداقية أحدٍ خارج سوريا عدا حلفائها)·
التعاطف مع الشعب السوري أمر بديهي
في واقع الأمر؛ فقد دأب النظام في سوريا على اتخاذ أي تظاهرة أو أي موقف متضامن مع الشعب السوري دليلاً على <التدخل الخارجي>، لكن لبنان لم يكن يوماً منفصلاً شعبياً وسياسياً عن سوريا، والعكس صحيح، ومقولة الرئيس الراحل حافظ الأسد الشهيرة: <شعب واحد في دولتين>، صحيحة لجهة عمق الأواصر وقوة التأثير المشترك بين اللبنانيين والسوريين (خلافاً للتفسير الذي اعتمده النظام السوري لهذه المقولة طيلة سنين بما يجعل النظام اللبناني ملحقاً بالسوري)··· فكيف يمكن ?والحال هذه- أن يطلب النظام السوري منع التعاطف مع الشعب السوري المضطهد، تحت طائلة اعتبار الأمر تدخلاً في الشأن السوري؟!
على أي حال؛ فإنه لا يمكن لشعبين مترابطين بأواصر الدين والعرق واللغة والمصاهرة والتاريخ المشترك··· أن يعزل أحدهما نفسه عن الآخر، وأن يرى اللبناني شقيقه وصهره وابن خاله وابن عمه يُقتل، ولا يتحرك بدعوى عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى!· أصلاً الموروث الثقافي لأمتنا يقوم على أساس أنها أمة وحدة (بالمفهوم القومي الشعب العربي واحد، وبالمفهوم الديني الأمة الإسلامية واحدة)· كما أنه لا يمكن في العلاقات الدولية؛ أن يرى العالم المجازر ترتكب في بلد ما ثم يتذرع بمفهوم السيادة· أصلاً السيادة بمعناها الصارم انتهت منذ زمن، وبات العالم كله قرية عالمية واحدة، ومفهوم التدخل الإنساني أكل كثيراً من مفهوم السيادة الوطنية (يمكن العودة إلى مؤلفات قانونية كثيرة في هذا المجال مما يخرج عن نطاق هذه المقالة)·
ولعل المشهد يبدو أكثر غرابة؛ عندما يطلب النظام السوري خنق المتضامنين مع الشعب السوري (التعاطف هنا إعلامي وشعبي فقط، فيما الموقف الرسمي اللبناني منحاز بالكامل إلى النظام السوري)، ثم يستضيف يومياً على إعلامه شخصيات لبنانية تنطق باسم نظامه، وتتحرك في لبنان لدعم هذا النظام، هذا مع العلم أن النظام السوري لم يتوقف يوماً خلال تاريخه كله عن التدخل في الشأن اللبناني، وهذا أمر معروف لا حاجة لتفصيله!·
المنظومة العربية عاجزة!
وبالانتقال إلى الدائرة العربية الأوسع؛ فقد انتعشت الآمال غداة زيارة أمين عام جامعة الدول العربية إلى دمشق في 10/9/2011 بـ <تدخل> عربي ينهي الأزمة، ولو بحل لا يرضي الثوار، (إبعاد أجهزة الأمن عن حياة الناس وإصلاح النظام جدياً تحت سقف بقاء الأسد) لكن الرئيس السوري أعاد أمام ضيفه تشغيل أسطوانة المؤامرة، منبهاً إلى أن مسيرة الإصلاح انطلقت، وواعداً بالمزيد منها، فيما كانت أجهزته العسكرية تقتل وتضطهد مزيداً من السوريين خارج أسوار الاجتماع، وأجهزته الإعلامية تستقدم <المحللين> ليتحدثوا عن إجرام الجماعات المسلحة التي قتلت رجال الأمن (الغريب أن النظام يمنع الإعلام الحر من معاينة وجود هذه الجماعات)، وليفصلوا كيف أن <فاقد الشيء لا يعطيه>· (وهو صحيح مع فارق أن لا ثورات في الأنظمة العربية الأخرى التي لا تشهد تعددية حزبية)·
والواقع أن المبادرة العربية تجاه سوريا (لم تعترف بها سوريا وأنكر وجودها وزير الخارجية اللبنانية!) ولدت ميتة، لأن الثوار لا يمكن أن يقبلوا حلاً تحت سقف الأسد، بعد الذي جرى كله، ولأن النظام لا يمكن أن يقبل حلاً يتضمن رحيل الأسد· وغل يد العسكر عن الحياة العامة يعني هذه النتيجة· كما أن وزراء الخارجية العرب الذين صاغوا المبادرة يدركون أنها لن تنجح، وربما بعضهم لا يريدها أن تنجح أصلاً، كما أن جامعة الدول العربية باتت عاجزة عن حل أية أزمة، وفق تصريح أمينها العام نفسه بعد زيارته سوريا، واضطراره الانتظار أسبوعاً كاملاً قبل مقابلة الأسد، الذي أعطاه درساً في الإصلاح السياسي، كما بدا من الخبر الذي وزعته وكالة سانا الرسمية السورية·
طلب الحماية الدولية
وفي ظل اليأس من قدرة النظام العربي الرسمي على حل الأزمة في سوريا، أو وقف نزيف الدماء، وبعد ثبوت عزم النظام السوري على انتهاج الحل الأمني حتى النهاية، برز طلب الحماية الدولية كمطلب شعبي محق·
وأحقية هذا المطلب تنطلق من أن ما يسمى تجاوزاً تظاهرات (الأصح تسميتها: تجمهرات فدائية)، لم تتوقف منذ نحو ستة أشهر، قدّمت خلالها أوضح صورة معاصرة لـ <انتصار الدم على السيف>، وعرَّت النظام من ثيابه التي نسجها حول نفسه سنين طويلة، وأركست حلفاءه إلى الأسفل لدى الرأي العام في العالم أجمع، لكن هذه التظاهرات لم تعد الوسيلة المنتجة ?لوحدها- في مواجهة النظام، لأنها ممنوعة -بقطع النظر عن حجم الدماء- في التعبير عن حجمها الحقيقي أو اتخاذها ساحة عامة مكاناً لها، ولأنها مقموعة ?بغض النظر عن قوة النيران- من أن تتحرك بحرية في الشوارع وبين أزقة الأحياء، ولأن هذه التظاهرات أدت في الواقع إلى تحقيق أهداف كبرى، أهمها نزع الشرعية عن النظام، لكن هذه التظاهرات لم يعد بمقدورها أن تقدم ?لوحدها- مزيداً من النتائج، وقد قدمت نحو 2600 شهيد مدني بالحد الأدنى، ونحو 700 عسكري (وفق عدّ مستشارة الأسد مؤخراً) أكثرهم قتلهم النظام أيضاً؛ إما بسبب رفضهم تنفيذ الأوامر بقمع المحتجين، أو بسبب انشقاقهم وخوضهم مواجهة عسكرية مع رفقة السلاح السابقين، والعدد الأقل منهم سقط بسبب دفاع بعض الناس -بما أمكن- عن أعراضهم وحياتهم وأرزاقهم، فضلاً عن آلاف النازحين في لبنان وتركيا، وعشرات آلاف المعتقلين·
لا يعني هذا التوصيف الواقعي خروج الثورة عن سلميتها، بل لعل أمضى سلاح للثورة -حتى الآن- هو السلمية مقابل الوحشية، ولكن المطلوب اليوم تعزيز السلمية بالحماية الدولية، وذلك من خطرين:
– الخطر الأول: الانزلاق نحو العسكرة (بعض الاشتباكات المسلحة مع لواء الضباط الأحرار، وبعض البيانات الداعية إلى القتال، وبعض العمليات الانتقامية المحدودة ضد الجيش)، ولو أن الناس تدرك أن أي توجه نحو عسكرة الثورة ليس في صالحها راهناً، لكن القدرة على الاحتمال مهما كانت هائلة، إلا أن لها حدوداً تنتهي عندها·
– الخطر الثاني: الشعور بعقم التظاهرات عن تحقيق أية نتيجة إضافية، وبالتالي تراجع الثورة·
وحدها الحماية الدولية من السلطة التي لا تريد أن تسمع نصائح أحد من العرب وغير العرب، وحدها تحمي الثورة وتصونها عن الانزلاق إلى ما لا يريده الحريصون على مستقبل سوريا·
ماذا تعني الحماية الدولية؟!
بناءً على التوصيفات السابقة؛ فإن من حق السوريين الواقعين تحت النار اللاهبة أن يطلبوا حماية دولية· والحماية الدولية تعني قيام دول العالم أو بعضه بكل ما هو ضروري لحماية الناس وأعراضهم وأملاكهم، علماً أن أحداً لم يطلب حتى الآن التدخل العسكري الغربي، ولا الغرب أبدى رغبة في هذا المجال، ولا هذا الأمر مطلوب أو مفيد للثورة راهناً، وإنما المطلوب اليوم أن يخلع الثوار عن أنفسهم <فوبيا> التدخل الخارجي، ويطلبوا من العالم أموراً ممكنة؛ من قبيل المقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية الشاملة، والطرد الجماعي للسفراء، وصولاً إلى طلب إيجاد منطقة آمنة، بما يشجع الضباط والعناصر الخائفة من تبعات الانشقاق على فعل ذلك، وبما يسمح للثوار السلميين على الانطلاق من قاعدة آمنة، وبما يمكّن السوريين أن يبقوا بوطنهم وينتقلوا من منطقة إلى أخرى بدلاً من تشردهم في البلاد المجاورة·
سوف يقول القائلون ?حسِّنو النية أو سيِّئوها-إن الدول الداعمة للثورة لا تتحرك إلا بناءً لمصالحها وليس من أجل الحرية أو حقوق الإنسان، هذا صحيح· ولكن بالمقابل فإن الدول الداعمة للنظام لا تدعمه إلا من أجل مصالحها ولو على حساب القيم وحقوق الإنسان!، فلماذا يجوز للنظام أن يحفظ المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الداعمة له، ولا يجوز للثوار أن يحفظوا المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الداعمة لهم في سوريا المستقبل؟! وهل يجوز أن يحوّل النظام بلاده إلى تابع للنظام الإيراني إلى حد استجلاب خبراء ومعاونين وعناصر (إيرانية ولبنانية وعراقية) لمساعدته على القمع، ثم يدّعي أنه يحافظ على السيادة ويرفض التدخل الخارجي في وجه محتجين لا يطلبون من العالم سوى حمايتهم؟!
الحماية الدولية باتت ملحَّة جداً للشعب السوري، وأكثر منها إلحاحاً تشكيل مجلس وطني انتقالي يضم أطياف المعارضة كافة، لأنه المعبر الضروري لطلب التدخل الخارجي من أجل تحقيق الحماية الدولية، وذلك بعد عجز الجامعة العربية عن المساعدة، وسد النظام أي أفق للحل بعيداً عن الحديد والنار وقطع الماء والكهرباء والهاتف·· والعقاب الجماعي·