يمكن اعتبار التصريحات الاخيرة للامين العام للامم المتحدة بان كي – مون في شأن سوريا الاقوى منذ اندلاع الثورة ومواجهة النظام لها بالقتل. وقد مرت ستة اشهر على قوله للرئيس السوري بشار الاسد بأنه عليه "التوقف عن قتل شعبه" واعلانه "كفى يعني كفى"، رسالة تحمل الكثير من الغضب الدولي على النظام في سوريا. والحال ان كلام بان، اذا ما اضيف الى موقف الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ودعوة البرلمان الاوروبي الرئيس الاسد الى التنحي، فإنه يمثل ركنا اساسيا لتدخل دولي – عربي سيأتي في وقت أقرب مما يتوقعه الاسد الابن الماضي في قتل شعبه بلا هوادة. فيوما بعد يوم تتجمع السحب الداكنة في سماء النظام الذي ما بقي له من غطاء في العالم سوى موقف روسي يجري التفاوض حوله بين العواصم العالمية الكبرى ومعها بعض العواصم العربية المعنية. والتفاوض بتعلق بالثمن الذي تطلبه موسكو لقاء الانضمام الى جبهة عربية – دولية لاسقاط النظام، بعدما اقتنع الجميع بمن فيهم الروس بأن النظام المشار اليه بكل مكوناته من اعلاها الى ادناها غير قابل للتأهيل.
هذه حقيقة لا فكاك منها مهما بلغ عنف القمع، ومهما ارتفع عدد الشهداء في سوريا الثائرة. والحقيقة هذه يتعين ان يعيها اللبنانيون، ولا سميا هؤلاء الذين يضعون "بيضهم" في سلة قتلة الاطفال والنساء، او هؤلاء الذين يعجزون عن التفلت من عقدة الاقليات الخائفة والهلعة بحيث يصيرون تحت عنوان الخوف مناصرين للقتلة، فيعاكسون بهذا منطق التاريخ في المنطقة، واضعين في الوقت عينه انفسهم في وضع سيئ للمستقبل.
إنها حقيقة واضحة وضوح الشمس، إن النظام عاجز عن الانتصار على شعبه حتى لو بلغ عدد الشهداء عشرين الفا. فقد قلنا قبل اشهر عدة ان من خرجوا من منازلهم تحرروا ولن يعودوا اليها قبل ان يسقط النظام. وهنا تحضرني قصة احد اوائل شهداء الثورة السورية في الجامع العمري في درعا لحظة استشهاده يقول: "لقد عشت اجمل اربع ساعات في حياتي كلها. عشت الحرية واستطيع لقاء ربي سعيدا". هذه الكلمات كانت بمثابة الوصية لمن اتوا بعد هذا الشهيد. وهي رسالة قوية جدا للقتلة الذين كانوا يتوهمون ان في وسعهم قتل حب الحرية في نفوس السوريين بالوحشية. ليت بعض اللبنانيين يتمعنون جيدا في وصية ذلك الشهيد ليدركوا ماهية الثورة في سوريا، وعمق تجذرها في نفوس الناس.
إن لبنان الذي يتغنى بأنه موئل الحريات في هذا الشرق لا يمكن ان يجانب توق السوريين الى الحرية والكرامة، ولا يمكنه ان يدير ظهره بطريقة مشينة لملايين السوريين الذين يواجهون الرصاص والدبابات بصدور عارية وهم فرحون لأنهم يعيشون في هذه الايام اجمل لحظات حياتهم، ويذوقون طعم الحرية، ويدفعون ثمنها غاليا. وفي النهاية سوف يفوز السوري بالحرية والكرامة لأنه يستحقها في كل يوم منذ ستة اشهر. ومعه سيفوز اللبنانيون ايضا.