#dfp #adsense

فرعون سوريا‮…»‬إركع لربّك‮»!!

حجم الخط

حتى كتابة هذه السطور كان عدد قتلى جمعة الأمس السورية قد شارف على أربعين قتيلاً!! التاريخ يعيد نفسه، وما نحظى به نماذج أسوأ بكثير من نموذج فرعون، ارتجّ وجدان كلّ ما شاهد بالأمس فتىً يتعرّض لضرب مبرّح، وواحد من زبانية فرعون سوريا يقول له: «إركع لربّك»!! فردّ الشعب السوري بتظاهرات مسائيّة تنادي: « وهي ويالله وما منركع الا لله»، فيما فرنسا تحتج «لمقتل طفل سوري في الثامنة من العمر تحت التعذيب»، العرب صامتون، فقد اكتفوا بخطاب يتيم ـ وكان الله يحبّ المحسنين ـ فيما ثوار سوريا ينددون بالوزراء المجتمعين في جامعة الدول العربية وضيفهم أردوغان، فقد شبعوا كلاماً كذباً!!

أمّا بان كي مون فأعلن أن الرئيس السوري بشار الأسد تجاهل «الدعوات الملحة» من الجامعة العربية وغيرها من المنظمات الدولية، قائلاً: «الأسد لا يفي بوعوده، لقد طفح الكيل، على المجتمع الدولي فعلا اتخاذ إجراءات موحدة والتحدث بصوت واحد»…

فيما العالم الإسلامي أولاً ـ وفي طليعته إيران التي دعت الدول الإسلامية لحلّ مشاكل سوريا، ولا ندري ما تقول في صورة الربّ الذي يُعذّب الناس حتى يركعوا ويسجدوا له كافرين بالله»، ما بين العام 1982 والعام 2011 تغيّر مفاهيم ألوهية كثيرة في سوريا، فعلى جدران حماة بعدما تمت إبادة رجالها ونسائها وأطفالها ومشايخها حرقاً بالنار وهم أحياء، تركت أشاوس نظام القتل آنذاك ـ ولم يكن الأسد الأب قد تأله كما تألّه وريثه ـ على جدران حماة شعارهم: «لا إله إلا الوطن ولا نبيّ إلا البعث»!!

تطورت الألوهية في سوريا وصار لها فرعون، يضرب الناس ويهانون ويقتلون ليركعوا ويسجدوا له، فيما المسلمون لم يرفعوا عقيرتهم إلا بالدعاء فهل هذا أقصى ما يقدر عليه الحكام العرب بجبنهم المعهود وشعوبهم الذي تتظاهر من أجل مسلم في الصين، ورسماً مسيء في الدانمارك، وتغمض أعينها عن عذاب لم يعذّبه كفّار قريش لأوائل المسلمين، كأننا أمام عمار بن ياسر وأبو جهل يعذّب أمه وأباه أمام عينيه ويقول له: «اذكر هُبَل»!!

»فرعون موسى» هي حقيقة دامغة في التاريخ البشري، استخف «فرعون» بشعبه الذين لا يعدون أن يكونوا مجموعة ممن رباهم على الجهل، أو من بطانة فاسدة مقربة، يتملقون له مقابل تحقيق مصالح ضيقة أو تمرير مشاريع صغيرة؛ فسايروه في ذلك وأطاعوه، بل و»كبّر» هامان «الخسّة» في رأس فرعون فأقنعه أنه استحالة أن يكون من جنس البشر، إن هو إلا إله، ونشر هامان له الدعاية لـ»فرعون» على أنه الإله، وأن كل ما يريده هو عزتهم ومنعتهم؛ لأنه يعلم مصالح الناس أكثر منهم، فليس لهم سوى الانقياد الأعمى، حتى زيّنت له نفسه القول:}قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ{ [غافر 40]، وتجبَّر في الأرض وأفسد فيها وسفك الدماء فادعى الربوبية، فَقَالَ:}أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى{ [النازعات24].

عندما فجع وليد المعلم وزير الخارجية السوري العالم بقوله: «سنعتبر أن أوروبا غير موجودة على الخريطة»، لم يخرج عن السياق العام للتفكير الفرعوني، فهذا جزء من لؤم فرعون عندما تعجّب من أن يكون لقومه إله سواه:}وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [القصص:38].

إنه تاريخ يعيد نفسه، وحتى لا ييأسنّ أحد من رحمة الله وقدرته، فقد أتبع المولى سبحانه قول فرعون في سورة النازعات:}أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى{، بقوله الحقّ: }فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى{[النازعات/25]…

فرعون لم يكن قصّة ولا عبرة، بل نموذج حيّ صارخ لما سيكون عليه الحكام المجرمون، وإن لم يقولوا بألسنتهم أنهم آلهة، فقد تركوا زبانيتهم بين العباد ينشرون ألوهيتهم بين الناس، التاريخ يعيد نفسه، ولله في الكون وفي حياة البشر قوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، مهما تغير المكان والزمان والأشخاص والحيثيات الدائرة فيها، قال عز وجل }سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا{، وسنّة الله أن يُهلك الطغاة والظالمين والجبارين بكفرهم، وأن ينتصر لكلّ من دعاه: «إني مغلوب فانتصر».

المصدر:
الشرق

خبر عاجل