#dfp #adsense

قانونيون لـ”الجمهوريّة”: تمويل المحكمة نافذ بلا قوانين

حجم الخط

كتبت طارق ترشيشي في صحيفة "الجمهوريّة":

يُنتظر أن يشهد موضوع تسديد لبنان حصّته من تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان المستحقّ نهاية الشهر الجاري، معارك عدّة، الأولى داخل فريق الأكثرية نفسها، والثانية بين الاكثرية والمعارضة، ومعركة داخل فريق المعارضة، والى هذه المعارك الثلاث ستكون هناك معركة رابعة دستورية وقانونيّة.

ويقول قطب أكثريّ بارز أنّ مشروع تمويل المحكمة لن يمرّ في مجلس الوزراء لأنّ الغالبية الوزارية ستصوّت ضدّه، في مواجهة رئيسي الجمهورية والحكومة ميشال سليمان ونجيب ميقاتي ووزرائهما ووزراء رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، ما يعني انّ هذا المشروع سيسقط حتى في التصويت.

وفي ضوء ذلك يدور نقاش في اوساط الاكثريين المعارضين هذا التمويل في الخطوة التي يمكن المعارضة ان تلجأ اليها، وقد تتمثل بتقديم اقتراح نيابيّ معجّل مكرّر الى رئاسة مجلس النواب يلزم الدولة اللبنانيّة بدفع مساهمتها في موازنة المحكمة. وتركّز النقاش على مدى قانونيّة هذا الاقتراح، ومدى استعداد رئيس مجلس النواب نبيه برّي لتسلّم هذا الاقتراح أو رفض تسلّمه، خصوصا وأنّه معروف بموقفه الذي يعتبر أنّ نظام المحكمة الدولية والاتفاق المعقود في شأنه بين الدولة اللبنانية والامم المتحدة غير قانونيّين وغير دستوريّين، وأنّ مجلس النواب لم يصادق عليهما حسب الاصول الدستوريّة.

وعلى جبهة قوى "14 آذار" برز في اليومين الماضيين تباين داخل صفوفها بين قائل إنّ هذه القوى تعتزم التقدّم باقتراح قانون إلى مجلس النوّاب يقضي بدفع حصّة لبنان من تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وآخر قائل إنّها ليست في هذا الوارد.

وإذ يعزو الفريق الأوّل الدافع وراء اقتراحه إلى الخوف من التسويف والمماطلة في إيلاء هذه المسألة الأهمّية المطلوبة، فإنّ الفريق الثاني يشدّد على تحميل الحكومة مسؤوليّة تمويل المحكمة وتنفيذ الالتزامات الدوليّة، انطلاقاً من أنّ "المحكمة صادرة بقانون دولي يتقدّم على المحلّي ويصبح هو الأساس".

وإزاء كلّ هذه التباينات كان لا بدّ من الإضاءة القانونية على مفاعيل كلّ الاقتراحات المتداولة وجدواها، فضلاً عن مدى صحّة المقاربة القانونية لها، عبر أيجاد أجوبة على الأسئلة الآتية: هل تحتاج المحكمة إلى تشريع آخر لتمويلها؟ وإلى أيّ مدى يُقصي القانون بالتمويل، في حال إقرّاره، الحكومة عن لعب دورها في التزام القرارات الدولية وتضمين مشروع الموازنة العامّة بند التمويل؟

في هذا الصدد يقول الخبير القانوني والدستوري النائب السابق الدكتور حسن الرفاعي إنّ الاتّفاق بين لبنان والأمم المتّحدة هو اتّفاق دستوري، وطالما إنّه تمّ توقيعه فإنّ الدولة اللبنانية باتت ملزمة به.

وأشار الى أنّ رئاسة مجلس النواب ملزمة بقبول أيّ اقتراح قانون بتمويل المحكمة يمكن ان يُقدَّم اليها، إذ إنّ جدول أعمال جلسات مجلس النواب تنظّمه هيئة مكتب المجلس، ورئيس المجلس ملزم بتسجيله في هذا الجدول، وأيّ اقتراح قانون ماليّ يقدّمه نوّاب لا يمكن المجلس إلّا أن يقرّه ويفتح اعتماداً له في الموازنة. ولرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الحقّ بإعادته الى المجلس بموجب تعليل كافٍ. ولكن الحال الآن هي أنّ رئيس الحكومة قال إنّه سيموّل المحكمة ومن المستبعد ردّ أيّ اقتراح قانون بهذا المعنى في حال أقِرّ في مجلس النوّاب.

وبدوره يقول الخبير الدستوري والقانوني الدكتور يوسف سعدالله الخوري لـ"الجمهورية" إنّ لبنان من الناحية القانونية ملتزم إزاء المحكمة بموجب اتّفاق بينه وبين الأمم المتّحدة، مندرج تحت "الفصل السابع" من ميثاق المنظمة الدولية، وأيّ تصرّف بعدم تمويل المحكمة يكون نكوصا بهذا الاتّفاق، وفي هذه الحال يمارس المجتمع الدوليّ حقّه التعاقديّ إزاء لبنان". ويضيف: "إنّ تمويل المحكمة يمكن ان يؤمَّن من مصدر غير لبنان، ولكن على الصعيد الحقوقيّ فإنّ الامم المتحدة، وبواسطة مجلس الأمن وبموجب الفقرتين 41 و42 من ميثاقها، تستطيع ان تفرض عقوبات اقتصاديّة وعلى مستوى التمثيل الدبلوماسي وغيره على لبنان".

ويشير الخوري الى "أنّ لبنان لا يستطيع أن يتذرّع بعدم قانونيّة ودستورية نظام المحكمة، والاتّفاق مع الامم المتحدة نتيجة استقالة فريق أو ممثلي طائفة معيّنة من الحكومة، أو نتيجة لأنّ رئيس الجمهورية لم يفاوض على هذين الأمرين بحسب الصلاحيات المناطة به بموجب المادة 52 من الدستور، فلنعتبر أنّ ما حصل كان زواجاً غير شرعيّ وأنتج ولداً، ولكنّ هذا الولد في النهاية له أب وأم، والاستثناءات تطبّق حصراً، وكلّ استثناء في العالم لا يمكن التوسّع فيه".

ويقول الخوري: "إنّ الحكومة كانت مريضة ولكنّها كانت شرعيّة، لا يمكن اعتبارها مستقيلة بمجرّد خروج عدد من الوزراء منها، والمادة 69 من الدستور واضحة في تحديد الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة. وأيّ من هذه الحالات لم ينطبق عليها عندما خرج بعض الوزراء من طائفة واحدة منها وكانت حالها كشخص أصيب بمرض السرطان ولكنه ما يزال حيّا".

وفي رأي الخوري "أنّ تمويل المحكمة لا ينبغي أن يكون مورداً للبحث وهو أصلاً ليس في حاجة الى تقديم اقتراح قانون نيابي في شأنه في حال لم يقرّه مجلس الوزراء، لأنّ هذا التمويل هو بمثابة قانون برنامج، ومجلس النوّاب ملزم بتصديق الاعتماد الخاص به في الموازنة العامّة للدولة سنة فسَنة، وبالتالي لا يستطيع لبنان أن يتهرّب من هذا الالتزام، خصوصاً وأنّ المحكمة الدولية باتت لها شخصية معنوية مستقلة عن الامم المتّحدة ولبنان".

ومن جهته، شدّد الخبير في القانون الدولي والمحكمة الخاصة بلبنان، المحامي ماجد فيّاض، لـ"الجمهورية" على أنّ "المحكمة الخاصة بلبنان لم تعد تحتاج الى تشريع داخلي لتمويلها، فذلك أمر انقضى منذ أن أقرّ مجلس الأمن القرار 1757 في العام 2007، الذي أسّس المحكمة الخاصة وجعل نظامها الأساسيّ ملحقا له، كما أشار في ديباجة القرار الى مجمل القرارات السابقة، لا سيّما القرارات 1757 و1464 و1744 و1748".

وأضاف فيّاض:"إنّ قرار مجلس الأمن تضمّن إشارة الى اتّفاق يتمّ التفاوض في شأنه بين لبنان والأمم المتّحدة، وقد جعله أساسا للمحكمة وأقرّه لأنّه أخذ عِلما بالإحاطة التي قدّمها المستشار القانوني، قبل انعقاد الجلسة، والتي أوضح فيها العقبات الدستورية والسياسية التي تعترض إقرار المحكمة محلّيا". وأشار الى أنّ "مجلس الأمن أوضح في ديباجة القرار أنّه يتصرّف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة، واتّخذ قراره بإقرار الاتّفاق بتأسيس المحكمة والنظام". ورأى أنّه "بناء لتصرّف المجلس بموجب الفصل السابع، والمواد 39 وما يليها والمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، لم يعد في إمكان أيّ دولة بمن فيها لبنان ملتزمة الشرعية الدولية أن تخالف القرارات، وإلّا عُدَّت مارقة وخارجة عن الشرعيّة الدولية".

ويتابع فيّاض: "إنّ لبنان أقرّ مقدَّمة دستوره بإجماع نيابيّ، يحتاج تعديلها الى إجماع نيابيّ آخر، وهذه المقدّمة التزمت الشرعية الدولية، كما شملت مسائل أخرى كالتوطين، الى جانب ذلك فإنّ لبنان عضو مؤسس لمجلس الأمن وعامل في منظّمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها، فلم يعد في إمكانه أن يخرج على مسار أقرّه في دستوره، وتاليا فإنّ واجب الحكومة إذا أرادت أن تبقى تحت سقف الشرعية الدولية أن تموّل المحكمة، كما هي ملتزمة بموجب بيانها الوزاري، الذي يعتبره الدستورعنوان سياستها العامة".

ويلفت فيّاض الى أنّ "رئيس الحكومة شدّد عند تلاوته البيان الوزاري على أنّ كلمة احترام الشرعية هي أسمى من عبارة التزام الشرعيّة، وأقام مقارنة مسهبة تؤكّد التزام لبنان القرارات، لذا لم يعد في إمكان لبنان أن يخرج عن التزامه القرارات الدولية التي لا تنقضي بانقضاء الحكومات وما التزمت به".

وأوضح أنّ فكرة تقديم اقتراح قانون نيابيّ لتمويل المحكمة "هي فكرة خاطئة وواهمة، ومَدعاة للتساؤل عن مدى معرفة من يقترحها بحيثيات التشريع القانوني الداخلي والدولي وقرار مجلس الأمن، لأنّ من شأن تطبيقها أن يُعيد النقاش الى مواقع سبق أن تخطّاها لبنان، وكلّ إعادة لا تعني ولا تغيّر في مسار الأمور سواء انتهت بفوز الاقتراح أو بعدم فوزه. ولبنان ملزم أن يدفع ما يتوجّب عليه، وخلاف ذلك يرتّب نتائج سياسيّة، منها ما يتعلّق ببقاء الحكومة أو انفجارها، ومنها ما يتعلّق باحتمال فرض العقوبات على عدم التزام الشرعية الدولية".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل