انطوان غانم. استشهد الرجل. تكاد تكون هذه الزاوية ورقة نعوة. بين اليوم واليوم، بين سطر وآخر، نكتب حكاية شهيد. ما بال هذا العمر. صرنا نخاف أن نعتاد على روايات الشهداء أكثر من حكايا الاحياء. لكن ولا مرة ولا مرة، ولن تحصل أن نعتاد على الموت، على مجرد الفكرة، رغم انه أقسى الوقائع وأوضحها. هو الموت يحفر فينا رعب الفراق. رعب المجهول. وجع السؤال. لماذا يرحل من نحب؟ لماذا الله يختار الشباب غالبا ليرحلوا؟ لماذا خيرة الناس يرحلون، ويبقى الاشرار ينفثون في الحياة فحيحا يقارب الموت؟ لماذا يُغتال أمثال انطوان غانم ذاك الرجل الطيّب؟ النائب النظيف المنزّه، الكتائبي العريق المعتّق بزمن السياسيين الكبار؟ لماذ يتحوّل 19 أيلول 2007، تاريخ استشهاد غانم بسيارة مفخخة بحقد لا يوزن، لماذا يتحوّل التاريخ، وسواه من التواريخ المشابهة، الى محطة هروب لننسى ما فعل بنا الاحتلال وأزلامه الصغار الصغار؟
قتلوه يومذاك كي ينقص نصاب نواب "14 اذار" في مجلس النواب، لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية!! أمن اجل نصاب نقتل روحا ومعها تشتشهد أرواح. انطوان ضو. مرافقه. رفيق في القوات اللبنانية في عمر الضوء. ما كان غانم ليقبل أن يموت معه أحد. الرجل الطيّب الدّمث اللبق، ما كان ليقبل أن يموت لاجله أحد. كان يعيش في ظلال المسيح، فكيف يقبل أن يضحَى بشباب من عمر الزهر، ليموتوا عنه أو معه؟ هو أيضا لديه شاب وصبية، ابناؤه، بعمر الورد. وزوجة تفتقد الحضور الحنون، في البيت الذي استقبل الحزن بصمت المؤمن وخشوعه، والان يستقبل الذكرى بعمق الحزن الراكد في الدمع المؤجّل.
اغتالوا انطوان غانم. تمكّنوا منه، لكنهم لم ينالوا المبتغى. لم يعطّلوا النصاب. تقدم الموت في أجندتهم. اغتالوا قبله وبعده كثر من ثوار ثورة الارز، لكن لم يتمكنوا من الهدف. رُحِلوا عن هذه الارض. غصبا عنهم رُحِلوا. وهم الان يغرقون في الدماء التي أغرقونا بها على مدى ثلاثين عاما، لكنهم يدفعون الفواتير من دم شعبهم الثائر البريء.
بلسان الامة، دم انطوان غانم لم يذهب هدرا. ثورة الاستقلال حققت بعضا من مبتغاها، انما بلسان من يحبّه ويشتاق دهرا قهرا عمرا اليه، ليته لم يرحل، ليته لم يستشهد، ليس لانهم لا يحبون لبنان ولا يؤمنون به، لكن لان حبّ الحياة دائما هو الاقوى، ووجع الفراق يجعل الحياة دائما أقسى. هي مرارة الشوق، واللهفة الى لقاء جديد، لن يتجدد الا في المسيح.
