ظهرت على المسرح السياسي اللبناني، في الأيام الأخيرة، دعوة مكوناته السياسية والفكرية والثقافية الى عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، والمقصود بذلك شؤون سوريا تحديدا في ظل الثورة الشعبية المتصاعدة ضد النظام فيها، ووقوف قوى سياسية وبعض المثقفين والكتاب والاعلاميين في لبنان الى جانب الشعب السوري في مواجهة الحرب المفتوحة التي يشنها النظام عليه. والدعوة تشمل طبعا، وان لم يجر التعبير عن ذلك صراحة، الصحافة والاعلام في بلد طالما تغنى بأنه بلد الحريات الثقافية والفكرية والاعلامية، فضلا عن حرية ابداء الرأي والتظاهر السلمي من أجله.
فكيف "يتدخل" اللبنانيون في الشؤون الداخلية لهذا البلد الشقيق؟.
واقع الحال، أن ما فعلته الدولة في لبنان ـ وليس بعض الأحزاب أو المثقفين ـ هو ما شكل تدخلا في شؤون البلد الشقيق، وذلك عندما عمدت، منذ الأيام الأولى للثورة الشعبية السورية في آذار الماضي، الى تسليم الجنود السوريين الفارين اليه للسلطات في بلادهم، والى طرد بعض النازحين الى أراضيه من دون مراعاة حتى أدنى معايير حقوق الانسان… كيلا نتحدث عن العدالة والحريات السياسية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
وقد تكون للسلطة اللبنانية الحالية أسبابها الخاصة، وحتى "أعذارها"، لاتخاذ هذا الموقف من الشعب السوري، خدمة للنظام الذي عمل دائما على تصوير المعارضين وكأنهم مجرد أفراد معزولين. لكن أن يصل الأمر الى حدود مطالبة الرأي العام (والأحزاب والتيارات السياسية والمثقفين والفنانين والاعلاميين) بإغماض عيونه وسد آذانه وكم أفواهه فلا يقول كلمة واحدة عما يعاني منه السوريون منذ ستة شهور كاملة، فذلك مما لا يقبله عقل أو منطق… أو حتى انتصار للأخوة بين الشعبين الشقيقين.
ثم أين هي الحريات اللبنانية، فضلا عن الديموقراطية التي يقال انها أساس وجود البلد، اذا كان محظورا على حزب أو تيار سياسي أو مثقف أو اعلامي أن ينفعل لما يشاهده من قتل وقمع وعنف في سوريا، فيعبّر عن موقفه الداعم للحرية والكرامة والديموقراطية التي تطالب بها الغالبية العظمى من الشعب الشقيق؟.
هل يشكل مثل هذا الموقف تدخلا في الشؤون السورية؟. وماذا، في المقابل، يقال عن موقف الأحزاب والتيارات اللبنانية الأخرى التي يتزعم قادتها والناطقون باسمها حملة الدفاع عن النظام، ولا يرون في ما يحدث في سوريا الا أنه "مؤامرة أجنبية" على البلد الشقيق تقوم بها "عصابات مسلحة" فقط لا غير؟.
من نافل القول ان ما يتعرض له لبنان منذ عقود طويلة ـ وليس في هذه الفترة فقط ـ انما يستهدف مفهومه الخاص بالديموقراطية والحريات العامة والسياسية قبل أي شيء آخر. وما تعنيه الدعوة الحالية الى "عدم التدخل في شؤون سوريا" ليس الا دفعة جديدة على الحساب كما يقال. والأدعى للاهتمام، أن دعوات أخرى أكثر خطرا ستليها في المستقبل سواء أمكن للثورة في سوريا أن تسقط النظام فعلا، وتحدث التغيير المطلوب، أو لم تتمكن من تحقيق هدفها هذا.
يؤكد ذلك في الواقع، أن القوى والأطراف اللبنانية التي ترفع لواء الدفاع عن النظام السوري تحت هذه الحجة أو تلك ("المقاومة والممانعة" من جهة، وحماية لبنان ووحدته من جهة ثانية) هي نفسها التي تدعو الى عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ثم انها تتهم كل من يدعم الشعب السوري ويؤيد مطالبه بالحرية والديموقراطية والكرامة والتغيير بالاساءة الى سوريا وإلحاق الضرر بالعلاقات بينها وبين لبنان.
ويؤكده أكثر، واقع أن هذه القوى دون غيرها هي من يحمل السلاح في لبنان، ويستخدمه كلما وجد حاجة الى ذلك في معالجة قضاياه السياسية والمطلبية والأمنية (حتى القضائية، كما هو الحال بالنسبة الى المحكمة الدولية) بما يتناقض جوهريا مع كل ما يرمز اليه لبنان لجهة ما يقال عن الديموقراطية التوافقية (حتى الديموقراطية التوافقية!) والحريات السياسية والاجتماعية لمكوناته الطائفية والثقافية.
وقد تكون لهذه القوى أيضا أسبابها الخاصة، وحتى "أعذارها"، للوقوف الى جانب النظام في سوريا والدفاع عنه بالضد عن كل ما تقوله عن النضال من أجل حريات الشعوب ومحاربة ما تسميه "الاستكبار العالمي". لكن أن يصل الأمر بها الى حد المطالبة بكم أفواه المؤيدين ـ بالكلمة والبيان والاعتصام من دون غيرها ـ للشعب السوري وحقه بتقرير المصير، تحت عنوان "عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، فذلك ما لا يجوز تجاهله أو السكوت عنه.
والسبب لا يتعلق بسوريا فقط هذه المرة، على أهمية ما يشهده هذا البلد الشقيق وخطورته والموقف الاخلاقي والمبدئي منه. انه سبب لبناني قبل كل شيء، لأنه يمس مباشرة روح لبنان وكيانه القائم على احترام حريات الآخرين، في داخله كما في الخارج، والتعبير عن هذا الاحترام بكل الاساليب والوسائل الديموقراطية الممكنة.
وبهذا المعنى، يصبح الوقوف الى جانب سوريا الشعب، وليس النظام (أي نظام كان) حاجة لبنانية، بل وضرورة ترقى الى مستوى الحتمية التي لا بد منها، وعمليا من أجل لبنان قبل أن يكون من أجل سوريا وشعبها أو نظام الحكم فيها.
مجددا، تظهر هنا قضية لبنان على حقيقتها العارية من كل غطاء. فهي ليست قضية تحرير، بل قضية حرية أولا وقبل كل شيء. ولا قضية حقوق طوائف ومذاهب، بل قضية استغلال التنوع الطائفي والمذهبي من أجل تشتيت الصفوف. ولا هي، كما قيل أخيرا، قضية وجود المسيحيين فيه (وفي سوريا ومصر والعراق وغيرها)، بل قضية أنظمة استبدادية عملت دائما على تقريب هذه وابعاد تلك من الطوائف بهدف تكريس بقائها وهيمنتها على حساب الجميع.
ومن هذه الزاوية وحدها ينبغي النظر الى مقولة "عدم التدخل في الشؤون السورية" في الفترة الحالية… وبالتالي الى دور لبنان التاريخي، المعنوي والأخلاقي والأدبي، في محيطه العربي والاقليمي الواسع