تصدرت المأساة العائلية التي ألمّت بعائلة الحاج سليم الأحد، واجهة الحوادث في البلاد، فقد هزّت الأوساط السياسية والحزبية المجزرة المروعة التي ذهب ضحيتها 7 أشخاص من عائلة واحدة، على الرغم من السجال الذي لا ينتهي.
فقد فجع شارع عمر بن الخطاب في منطقة رأس النبع في بيروت، كما فجع لبنان بأسره، مساء أمس، بجريمة مروعة ذهب ضحيتها 7 أشخاص من عائلة الحاج سليم في منزلهم، حيث أقدم الابن البكر للعائلة، ويدعى هادي الحاج سليم (25 عاماً) على قتل والدته نوال يونس (55 عاماً)، وأخوته الخمسة أمين (23 عاماً)، مهى (20 عاماً)، زهراء وزاهر (15 عاماً) ومنال (11 عاماً) ومن ثم أقدم على الانتحار.
وقد ضربت القوى الأمنية طوقاً أمنياً حول المكان، كما حضرت شخصيات قضائية وأمنية، والأدلة الجنائية التي عمل عناصرها على رفع البصمات من مكان الحادث.
وفي تفاصيل الحادثة، انه بعيد السابعة من مساء الاحد، أقدم هادي على إطلاق النار من سلاح حربي (بومب أكشن) على كل من والدته وإخوته الخمسة فأرداهم، ومن ثم أقدم على الانتحار بإطلاق النار على نفسه.
ولم يكن الوالد علي الحاج سليم (من بلدة عرمتى في قضاء جزين) يعلم انه سيعود إلى منزله ويرى ذلك المشهد الفظيع وهو الذي خرج صباح أمس إلى بلدته "عرمتى" برفقة ابنتيه، وبعد الظهر عاد وأوصل ابنتيه إلى منزله وغادر إلى متجره في المنطقة ذاتها، حيث يعمل في فرن للمعجنات، إلا انه، وعندما عاد إلى المنزل مساء استغرب عدم سماعه أي صوت يصدر عن منزله حيث اعتاد على سماع الأصوات، خصوصا وأن عائلته كبيرة، وعندما دخل إلى غرف المنزل وجد ما لم يكن يتوقعه على الإطلاق، حيث فجع بخسارة زوجته المربية وأولاده.
وعلى الفور حضر كل من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، كما حضر قائد شرطة بيروت العميد أحمد حنينه وعدد من المحققين والأدلة الجنائية التي عملت على رفع البصمات من مكان الحادثة.
من جهتها، ضربت القوى الأمنية طوقاً حول مكان الحادثة، كما حضرت عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني، عملت على سحب الجثث من المنزل، وقد أفيد ان الجثث تم نقلها إلى براد مستشفى "رفيق الحريري الجامعي – بئر حسن".
ويروي أحد أقرباء الوالد المفجوع بأن عائلته مسالمة وأولاده متعلمون ولم يكن لديهم أي أعداء سواء في المنطقة أو في بلدتهم "عرمتى"، وأن الوالدة مربية وعملت طوال حياتها بجد كي تعيل عائلتها إلى جانب والدهم وأحياناً كانت تساعده حتى في أعمال الفرن.
وفيما ترددت معلومات أن الإبن البكر هادي المتهم بقتل عائلته يعاني من مرض التوحد، أفاد أحد الأقرباء أن أولاده كلهم بصحة جيدة وهم متعلمون.
"الأخبار": قتل والدته وإخوته الخمسة… وانتحر؟
كتب رضوان مرتضى: أعدم شابٌ عشريني إخوته الخمسة ووالدته وانتحر. المشهد لا يُمكن تخيّله، لكن الجريمة حصلت بالفعل. ليست جريمة فحسب، هي مجزرة. وصفٌ ردده جيران الضحايا. أرواح سبعة أفراد من عائلة واحدة أُزهقت، مساء أمس، في منزلهم الكائن في محلة رأس النبع
أربع جثث. جثتان. جثة واحدة. هكذا توزّعت سبع جثث في غرف منزل تحول إلى مسرح جريمة مساء أمس. الجثث السبع تعود لأفراد عائلة واحدة يشتبه في أن هادي، الابن البكر، هو قاتلها. هكذا رجّح المحققون. ومن دون سابق إنذار، أُفنيت عائلة عن بكرة أبيها، باستثناء الوالد، علي الحاج ديب، الذي شاء القدر أن يبقى ليُفجع بفلذات أكباده في ليلة واحدة. علي لم يكن يعلم ماذا ينتظره أمس. عاد من بلدته عرمتى، قضاء جزين، حيث كان في زيارة ذويه. فتح باب منزله واختبر أفظع ما يمكن أن يتخيّله عقل. اكتشف الجريمة. وأيّ جريمة! وجد الجميع قتلى. جُثث لا حياة فيها. رفيقة دربه وأبناؤه غارقون في دمائهم. لم ينجُ أحدٌ منهم. حتى ابنته الصغرى اخترقت جسدها الناعم طلقة نارية أو أكثر. من يدري ماذا مرّ في بال علي في تلك اللحظة؟ هل صدّق ما رأته عيناه؟ هل تمالكت قدماه قواهما؟ قرب أي جثة ركع وأيّها احتضن؟
كانت جثة زوجته وجثث أولاده الثلاثة في الصالون. أما جثث بناته فتوزعن بين غرفتين؛ اثنتان في غرفة والثالثة في غرفة لوحدها (أكبر الأشقاء 23 عاماً والوالدة 55 عاماً). الإصابات توزعت في أماكن مختلفة من أجساد الضحايا، لكنها كانت قاتلة. الغريب أن أحداً من الجيران لم يلحظ أو يسمع شيئاً. ارتكب المجرم جريمته بهذا الهدوء. صوّب وشد الزناد وأطلق النار من دون أن يعبأ بأحد. كيف يُعقل أن يُقتل سبعة أشخاص بطلقات نارية، في حي مكتظ بالسكان، من دون أن ينتبه أحدٌ لذلك.
الغموض يلف الجريمة، هكذا وصف معظم الأمنيين الحال. كان هناك شبه إجماع بأن أحداً لم يسمع شيئاً، لكن مسؤولاً أمنياً ذكر لـ«الأخبار» أن بعض الجيران أفادوا بأنهم سمعوا أصوات إطلاق نار متقطعة، لكنها لم تكن واضحة. وصف هؤلاء أصوات الطلقات التي سمعوها بـ«العميقة». يشير المسؤول الأمني إلى أن القاتل أغلق جميع منافذ المنزل تحسّباً لذلك.
لم يشاهد أحدٌ الوالد بعد دخوله إلى المنزل. بقي هناك مع عائلته طوال ساعات تجاوزت الأربع. يذكر أمنيون أنه كان متماسكاً نسبةً إلى هول الفجيعة، لكن تماسك المفجوع لم ينعكس على أكثر من مسؤول أمني. يروي أحدهم تأثّره بمنظر جثة صبي، لمّا يتجاوز الرابعة عشرة، وُجدت تحت طاولة. يعيد المسؤول المذكور تركيب المشهد في مخيلته. يخمّن أن الصبي حاول الاختباء، لكن القاتل وصل إليه. أسكت أنفاسه برصاصة مخنوقة. يحكي المسؤول عن قشعريرة سرت في بدنه لدى تخيله تمسّك الصبي بحياة لم يختبر منها شيئاً، لكنها انتُزعت منه لأسبابٍ مجهولة. يتخيل أنه سمعه يصرخ قبل أن يموت.
دوافع الجريمة لا تزال مجهولة. أهالي الحي يجمعون على أن العائلة كانت بسيطة جداً. يقطنون منذ مدة طويلة في الطبقة الثانية من المبنى. يملك الوالد فرناً لبيع المعجنات على بعد رمية حجر من منزله. أما المشتبه فيه، الابن هادي (25 عاماً )، فيؤكد من عرفه بأنه كان «درويشاً». صفة تُطلق على طيبي القلب. من جهة ثانية، يذكر جيران آخرون أنه كان منطوياً على نفسه، لا بل غريب الأطوار في بعض الأحيان. يشير هؤلاء إلى أنهم لم يروه يوماً مع صديق له. معلومات استند إليها المحققون للاشتباه في أن يكون هو من ارتكب الجريمة قبل أن ينتحر. قرائن أُضيفت إلى الوضعية التي عثروا فيها على جثته. فقد كان جالساً على كرسي والدم يخرج من فجوة في رأسه من الخلف. يرجح مسؤول أمني أنه قد وضع فوّهة البندقية الأوتوماتيكية في فمه، قبل أن يضغط على الزناد ويضع حداً لحياته. فرضية لم يؤكدها المحققون، الذين لم يستبعدوا أن تكون هناك احتمالات أخرى.
وتحدث مسؤول أمني عن مشاكل مالية تواجه العائلة، وأشار إلى وجود خلافات عائلية، لافتاً إلى أن الوالد كان مختلفاً مع أشقائه منذ مدة طويلة. المسؤول نفسه أكد أن جميع المعلومات المتناقلة لا تزال في إطار التكهنات، بانتظار أن يحسم التحقيق المسألة.
هنا رأس النبع. شارع عمر بن الخطاب تحديداً. عشرات الأشخاص يتجمهرون حول أحد المباني. القوى الأمنية تحاول تفريقهم. يرتفع صوت صراخ ليبدأ عراكٌ بين المحتشدين من جهة، وعناصر من قوى الأمن الداخلي من جهة ثانية. حصل خلافٌ تطور إلى تضارب بالأيدي، تمكنت القوى الأمنية من احتوائه. دقائق يتجدد الخلاف، قبل أن يهدأ مجدداً. سببه صراخ العسكر على الشبان المحتشدين لإبعادهم. عقارب الساعة تشير إلى التاسعة من مساء الأحد. الجميع يسأل عما حصل. سيارات الإسعاف، التي بلغ عددها سبع، وصلت إلى المكان. تعطّلت إحداها قبل أن يتم إصلاحها. غير أن جثث القتلى بقيت في المنزل حتى ساعات متأخرة من فجر اليوم. كشف الطبيب الشرعي عليها، فيما تولت الأدلة الجنائية رفع البصمات داخل الشقة.
المنطقة شهدت استنفاراً أمنياً كثيفاً. عناصر الجيش تولوا تطويق الحي لضبط الأمن. القاضيان جورج كرم ومايا كنعان كانا هناك، إضافة إلى عدد من ضباط قوى الأمن الداخلي والجيش.