لبنان من الجمهوريّات العربية القليلة التي لم تنل حظّها من الربيع الديموقراطيّ العربي الكبير بعد، وقد لا تناله في القريب العاجل، الأمر الذي لا يبشّر بالخير أبداً، خصوصاً وأنّ مدرسة إنتظار زهور ربيع الآخرين لتزهر عندنا لا يمكن التعويل عليها إلا بشكل نسبيّ وجزئيّ وحذر.
بالعكس تماماً، حتى الآن استفادت القوى المعادية للديموقراطية من الحاصل إقليميّاً، لتنقض "صلح الدوحة" من جانب واحد، وتستفيد من الأزمات المستفحلة في المشروع الإستقلاليّ لـ"ثورة الأرز"، وتتحصّن باستسلام المؤسسات الدستوريّة، ثم قيام "تحالف الظلاميّات" المؤازر للجرائم ضدّ الإنسانية التي يرتكبها "النظام العلمانيّ التقدميّ" بحقّ الشعب السوريّ الثائر.
وكل هذا ما كان ليكون متاحاً بهذا اليُسر لولا غياب الرؤية الديموقراطية الشاملة في الربيع الديموقراطيّ العربيّ الكبير نفسه، فالعناصر الليبرالية التقدميّة المشاركة في صنع هذا الربيع من الندرة والتشتّت بمكان بحيث تعجز فيه عن طرح هكذا رؤية، فلا أطر تنسيقية بين مختلف الحركات الإنتفاضية على الخارطة العربية بعد، ولا مساجلة فكرية ضدّ أوهام "الديموقراطية كلّ في بلده" دون انشغال بمصير التحوّل الديموقراطيّ في عموم المنطقة.
كما أنّ إنقلاب "حزب الله" بالتسلّل، في وقت إقليميّ مضطرب، ما كان ليكون بهذا اليُسر لو أن الإحتمال الذي بزغ بين يوم الغضب في طرابلس وبين عامية 13 آذار في بيروت كان استطاع تطوير مواجهة شعبية يومية مرهقة للنهج الفئويّ الشموليّ المتسيّد على البلد حالياً، وهنا ينبغي الإستدراك بأنّ هكذا مواجهة هي واقعية "بالمطلق"، إنّما غير واقعية أبداً إذا ما نظرنا إلى طبيعة القوى التقليديّة التي تشكّل نسيج المشروع الإستقلاليّ الديموقراطيّ اللبنانيّ، والذي لا جدوى كثيرة من الإسترسال في توجيه النقد إليها إن كان نقداً لا قدرة لديه على التعامل مع الموجود.
لكنّ الأخطر من ذلك أنّه لو نظرنا إلى الحاصل بعد نقض "حزب الله" لـ"صلح الدوحة"، لوجدنا أن تناقضه كحزب وكبيئة مع الوجود المسيحيّ اللبنانيّ قد ارتفع بشكل نوعيّ، وأنّ الضعف أو الكبوة في صفوف 14 آذار لم تنجح إلا بإظهار مضاعف لخطر "حزب الله" على المسيحيين بشكل رئيسيّ في هذا البلد. والحال أنّ هذه العناصر الموضوعية كانت تؤهّل المسيحيين اللبنانيين في عام 2011 لحيوية سياسية وإجتماعية جديدة من النوع القادر على الجمع بين مسألتين. الأولى أنّه لا حلّ لأي مشكلة كبيرة أو صغيرة في لبنان دون إنهاء هيمنة مسلّحي "حزب الله" على البلد عموماً، وعلى الطوائف الأخرى قبل كل شيء آخر. والثانية أنّ لا حلّ لمشكلة هيمنة "حزب الله" لا في ظلّ دولة مركزية طائفية ولا في ظلّ دولة مركزية لاطائفية، إنّما آن الأوان للتفكير في صيغة جديدة للدولة اللبنانية، بالشكل الذي لا يشعر بعده أي مجتمع أهليّ لبنانيّ أنّ حقوقه مهضومة أو أنّه مهدّد من المجتمعات الأهليّة الأخرى، وبشكل لا يستسلم فيه التفكير اللبنانيّ مطوّلاً إلى شعارات مبهمة أو تجريدية حول "المواطن" و"الدولة"، وإنّما يصار إلى الحديث عن "مواطن" متعيّن وملموس، وعن دولة متعيّنة وملموسة.
كانت الظروف الموضوعية تؤهل المسيحيين اللبنانيين إذاً هذا العام لإفراز قراءة تعتبر أنّ الخطر الراهن الأكبر عليهم يأتي من "حزب الله"، وأنّه حان الوقت لقول سياسي وثقافي واجتماعي يتجاوز "ثنائية 8 و14 آذار"، وكان من الطبيعيّ في هذا المجال أن يجري التعويل على أي مؤسّسة أو منصب قادر على إلتقاط مثل هذه اللحظة. لكن ما حصل عملياً، أنّه حدث العكس. لم يجر فقط هدر هذه اللحظة التاريخية، إنّما جرى إستخدامها بالشكل الذي يهدّد ليس فقط الوجود المسيحيّ، إنّما وقبل كل شيء آخر، بالشكل الذي يهدّد مسيحيّة هذا الوجود المسيحيّ، بالمعاني الدينية والأخلاقية والحضارية قبل أن يكون بالمعنى الإجتماعيّ والسياسيّ. وكم هي استشرافية في هذا المجال الكلمات التنبيهية لميشال كيلو في هذا الخصوص.
لكن الخيبة في هذا المجال يمكن أن تتحوّل إلى مساحة تفاؤل. فلأوّل مرة في تاريخه الحديث، يجد المجتمع المسيحيّ اللبنانيّ نفسه في مواجهة مع نفسه، وعليه الإعتماد فيها على نفسه. وهكذا لحظة، لاهوتياً، هي لحظة مسيحيّة بإمتياز.
باختصار شديد، على الطبقة الوسطى المسيحية اللبنانية أن تتحرّك، في إتجاه إطلاق الربيع المسيحيّ اللبنانيّ والعربيّ. وعليها أن تبادر إلى ذلك على أساس المرتكزات التالية:
1 الخطر الأساسي، حالياً، هو "حزب الله"، وكبوة 14 آذار لا مجال للمكابرة عليها، إنمّا هي تزيد من خطر "حزب الله" على المسيحيين ولا تنقص.
2 لا حلّ لمشكلة "حزب الله" في ظل نموذج الدولة اللبنانية المركزية، طائفية كانت أم غير طائفية.
3 انخراط المسيحيين اللبنانيين والعرب في الربيع العربيّ لا يكون إلا من خلال ربيع مسيحي لبنانيّ وعربيّ، وهو ربيع عليه أن يجيب قبل كل شيء عن سؤال المربّع الأوّل "ماذا يعني بحقّ الله أن تكون مسيحياً في لبنان والعالم العربيّ اليوم؟". الربيع المسيحي يكون لاهوتياً وحضارياً كما يكون اجتماعياً وسياسياً في عملية تراكمية تفاعلية واحدة.
4 المشاركة المسيحية في الربيع العربيّ ليست مشاركة "إضافية" إنّما شرط وجودها أن تلعب دوراً "تخصيبياً" للربيع العربيّ نفسه.
5 رفض فكرة "تحالف الأقليات غير المسلمة مع الأقليات المسلمة غير السنية" لأنّها تدمّر جوهر المسيحية المشرقية من جهة، وتورّط المسيحيين بالصراع المذهبي الإسلاميّ- الإسلاميّ من جهة ثانية، بلا طائل هذا في أقل تقدير.
6 رفض أي إستعلاء أكثرويّ بحجّة "لتندمج الأقليّات في مجتمعاتها ثم تتكلم" على النحو الذي طرحه طارق البشري في مصر ضمن كتابه الأخير "الدولة والكنيسة". لا، من حق الأقليّات ألا تندمج. إندماجها، وشكل إندماجها، أمور لا تتبلور إلا بفهم جديد للديموقراطية على أنها تسوية دائمة وصعبة بين أولوية "العدد" وأولوية "التعدّد".