كتب شارل جبور: تحيي "القوات اللبنانية" في 24 الجاري ذكرى شهداء "المقاومة اللبنانية" التي شكلت القوات العمود الفقري لهذه المقاومة التي أكدت عبرها الجماعة المسيحية في لبنان أن الثابت الوحيد في مسيرتها هو الدفاع عن حريتها، وأنها لا تتردد في استخدام كل الوسائل المتاحة حفاظا على هذه الحرية والتي تحولت مع الثورات العربية إلى أولوية إسلامية إلى درجة أن المساجد باتت، للمرة الأولى في التاريخ الإسلامي، منطلقا لتطلب الحرية، فضلا عن إظهار الجماعات الإسلامية صلابة استثنائية في الدفاع عن حقها بالعيش في كرامة.
ومع تحول الحرية إلى قيمة جوهرية مسيحية وإسلامية مشتركة تكون هذه المنطقة بدأت تطوي صفحة قاتمة من تاريخها لمصلحة مرحلة جديدة الأولوية فيها للمواطنية ودولة القانون، مما يعني المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل على الطريقة اللبنانية، وهذا ما يشكل بحد ذاته الضمانة الفعلية للوجود المسيحي المشرقي، وأي كلام عن ضمانات أخرى لا يخرج عن سياق التبعية والذمية والاستسلام للأمر الواقع.
في ظل هذا المناخ المفعم برياح الثورة وبالحريات والعزة والكرامة من جهة، والتلاقي المسيحي والإسلامي على رؤية مشتركة للمبادئ والمفاهيم الانسانية والمتعلقة بحق الشعوب في الحرية والديموقراطية من جهة أخرى، تحيي "القوات اللبنانية" قداسها السنوي، وهذا ما سيجعل من القداس مناسبة لإعادة تأكيد ثوابت المسيحيين التاريخية والإطلالة على المسيحية المشرقية من بوابة حركة التغيير العربية وليس من براد السورية، وبالتالي ما سيميز الذكرى هذا العام يكمن في الآتي:
أولا: المشهدية الشعبية التي نجحت القوات في تأمينها وتظهيرها سنويا والتأكيد عبرها على قدرتها الاستثنائية في الحشد والتعبئة واستنهاض البيئة المسيحية، هذا التحدي الذي فضلت القوى الأخرى في الوسط المسيحي تفاديه، لأنه يفترض وجود بنية تنظيمية قادرة على التجييش والحشد، لن تكون هذه المشهدية أو عرض القوة مقتصرا على رسائل موجهة إلى الداخل، إنما ستشكل مناسبة للربط مع الثورات العربية وتوجيه رسالة شعبية مسيحية من ساحة "فؤاد شهاب" إلى سائر ساحات الحرية في العالم العربي.
ثانيا: اعتاد الدكتور جعجع في المناسبات المنوه عنها إطلاق مبادرات باتجاه الداخل اللبناني، من "مد اليد إلى الشريك في الوطن من أجل الانخراط في مشروع الدولة"، إلى "الاعتذار عن أخطاء الحرب غير المبررة"، وما بينهما دعوة الناشطين في "التيار الوطني الحر" للعودة إلى ثوابتهم التي وثقوها في "الكتاب البرتقالي"، فضلا عن تمسكه المستمر بالسيادة والاستقلال وحصرية السلاح داخل الدولة والشراكة المسيحية-الإسلامية ومتابعة مسيرة ثورة الأرز(…)، ولكن من المنتظر أن تكون مبادرة جعجع هذا العام باتجاه الخارج وتحديدا المسيحي المشرقي.
ثالثا: تشكل الذكرى هذا العام مناسبة لتأكيد ثوابت المسيحيين التاريخية من أولوية الحرية إلى أولوية مشروع الدولة، وبين الأولويتين رفض أي مساومة على هذه المبادئ أو مقايضة من قبيل التنازل عن جزء من السيادة لمصلحة حماية مشبوهة، أو التسليم بالسلاح غير الشرعي لضمان عدم استدارة هذا السلاح باتجاه المناطق المسيحية، مما يتعارض مع أبسط القواعد التي أرستها الجماعة المسيحية في لبنان بأن تكون رأس حربة في الدفاع عن السيادة والحرية، وأي تنازل من قبلها يعني انقلابا على مسارها التاريخي، أو تسليما بهزيمتها، بينما المحطات التاريخية أثبتت صحة التوجه المسيحي السيادي-الميثاقي بعد هزيمة المشروعين الفلسطيني والسوري في لبنان، وبالتالي لم يبق إلا المشروع الإيراني مجسدا بحزب الله والذي يعيش فصوله الأخيرة لارتباطه العضوي بالبعد السوري. ولعل هزيمة المشروع الإقليمي للحزب ستدفعه إلى العودة ولو مرغما إلى المشروع اللبناني.
رابعا: يعيد رئيس القوات بخطابه تصويب الخلل الذي اعترى الخطاب المسيحي في الآونة الأخيرة لجهة الخوف من التطورات الجارية في العالم العربي، إذ عوضا عن الانفتاح وملاقاة هذا التغيير برز توجها انغلاقيا وصل به الأمر إلى حد المطالبة بإبقاء القديم على قدمه، علما أن مأساة المسيحيين متأتية من هذا القديم وتحديدا النظام البعثي الذي يتحمل وحده مسؤولية إضعاف المسيحيين والتنكيل بهم، وبالتالي المصلحة المسيحية تكمن في التغيير لا الجمود، خصوصا ان هذا التغيير يبشر بغد أفضل ليس للمسيحيين وحدهم، إنما للمواطن المسيحي والمسلم على امتداد العالم العربي.
خامسا: سيعيد جعجع بخطابه التأكيد بأن العقلية الأقلوية لا يمكن أن تكون موئلا للحرية والديموقراطية والتطلع إلى المستقبل والحداثة، هذه العقلية الأقلوية التي لا تحضن سوى الإجرام والدم والحقد والكراهية.
سادسا: تشكل هذه المناسبة أيضا وأيضا رسالة إلى المسيحيين والمسلمين في العالم العربي…للمسيحيين من أجل خلع رداء الإحباط والتزود بجرعة عنفوان وصلابة والتمثل بالجماعة المسيحية في لبنان كنموذج في التعايش الإسلامي-المسيحي وفي الدفاع عن الحضور السياسي المسيحي…وللمسلمين بأن المسيحيين هم شركاء أصيلين لهم في هذه المنطقة وفي القيم التي من أجلها يستشهدون.
لا شك أن الذكرى هذا العام تصادف أيضا صدور القرار الاتهامي وانطلاق أعمال المحكمة الدولية التي تشكل رادعا للجريمة السياسية المتمادية منذ الحرب الأهلية، هذه المحكمة التي ستعيد الحق والاعتبار لكل شهيد سقط دفاعا عن حرية لبنان وسيادته واستقلاله.
شارل جبور- دائرة التحليل السياسي – المركز اللبناني للمعاومات- لبنان