تصريحات البطريرك الإستلحاقية لم تبدّد مفاعيل مواقفه السلبية في فرنسا
أظهر إنحيازه لأطراف لبنانية دون الأخرى وبدّل نظرة معظم اللبنانيين تجاه مواقفه
"لم يكن البطريرك الراعي مضطراً لوضع المسلمين السنّة في لبنان في مواجهة معه من دون مبرّر أو سبب مقبول"
لم تبدّد التصريحات والخطب التي أطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بعد عودته إلى بيروت، الآثار والانعكاسات السلبية للمواقف المفاجئة التي أطلقها خلال زيارته الأخيرة لفرنسا والمغايرة لثوابت بكركي ونهجها وخصوصاً ما أعلنه بالنسبة لتأييده بقاء النظام السوري برئاسة بشّار الأسد في موقعه وخشيته من وصول المسلمين السنّة المناهضين للنظام إلى سدة السلطة في سوريا وإمكانية تحالفهم مع السنّة في لبنان، بما يهدّد مصير الأقليات ومنهم المسيحيون في كلا البلدين وتأييده أيضاً بقاء السلاح في يد <حزب الله>، كما هي الحال عليه في الوقت الحاضر بالرغم من معارضة أكثرية اللبنانيين لهذه الوضعية التي تهدّد بقاء الدولة والكيان وذلك كما نقل عن لسانه في مقابلات إذاعية وصحافية ولقاءات اغترابية، لأنه لم ينفِ ما صدر عنه بشكل قاطع، ولم يؤكده تحديداً، بل حاول في ما قاله وأعلنه من مواقف وتصريحات إستلحاقية في مناسبات عديدة، الإيحاء بشكل غير مباشر، بأنه قصد مما قاله في فرنسا، إطلاق تحذيرات وإبداء الخشية من وصول أنظمة متشددة ومتطرفة إسلامياً بدلاً من الأنظمة السائدة حالياً والتي تتعرّض لموجة عارمة من الانتفاضات الشعبية لتغييرها وإقصاء حكامها الديكتاتوريين، لئلا يؤدي هذا التغيير الى تعرّض الأقليات والمسيحيين منهم لموجة من الاضطهاد والتهجير، كما يحدث في العراق ومصر وغيرها من الدول·
كذلك، لم تؤدِّ مواقف كبار المسؤولين الذين قابلوا البطريرك الراعي بعد عودته من فرنسا، كرئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الذي وصف مواقف البطريرك بـ<الحكيمة> وغيرهم من المسؤولين، الى تجاوز الوقع السلبي لمواقفه الباريسية التي اثارت حفيظة ورفض فريق كبير من اللبنانيين واثارت الشكوك والتساؤلات حول مراميها وابعادها في هذه المرحلة، كونها تتعارض مع نضالاتهم وتضحياتهم المتواصلة منذ سنوات لأجل استكمال مسيرة السيادة والاستقلال ووقف تدخل النظام السوري المزمن في الشؤون الداخلية والوقوف ضد خيارات الشعب السوري في نظام بديل عن نظامه الحالي والحد من استمرار فلتان سلاح <حزب الله> في استباحة الدولة اللبنانية وتهديد اللبنانيين بهذا السلاح·
واذا كان تحرك هؤلاء المسؤولين الرسميين بهذه السرعة بدافع احتواء مواقف البطريرك الماروني المثيرة للجدل في باريس بأقل قدر ممكن من التداعيات واخراجها من التجاذبات السياسية بأقصى سرعة ممكنة، من اجل الحفاظ على هالة البطريرك الجديد ومنع التصويب عليها من اكثر من اتجاه، إلا ان سعي حلفاء سوريا وإيران لتأييد هذه المواقف والتسويق لها وتوظيفها في إطار أهداف هذا التحالف المحلية والإقليمية والدولية على حدّ سواء، قد زاد من الشكوك والتساؤلات حول فحوى ما اطلقه البطريرك الراعي من مواقف في زيارته الفرنسية وبعدها، تؤشر لإنحيازه إلى فريق لبناني دون الآخر وتفضيله نظاماً في سوريا عانى منه اللبنانيون الامرَّين على مر العقود الماضية، خلافاً لشعار <شركة ومحبة> الذي أطلقه فور تولِّيه السدة البطريركية·
فلو كان البطريرك الراعي حريصاً بالفعل على الالتزام بفحوى هذا الشعار، لكان تجنّب في مواقفه أي إشارة توحي باصطفافه إلى جانب هذا الطرف اللبناني أو ذاك في حمأة الانقسام السياسي الداخلي المتأجج على خلفية انغماس أطراف لبنانيين معروفين في مخططات النظام السوري الحالي مع إيران بالامعان في التدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية وسعيهم المتواصل لبسط سيطرتهم غير المباشرة على لبنان، بعد اعطاء إشارة اسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري نهاية العام الماضي لرفضه التبرؤ من المحكمة الدولية خشية انكشاف هوية مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر مرتكبي جرائم الاغتيال الإرهابية التي استهدفت شخصيات ورموزاً استقلالية لبنانية·
كذلك، فإن إشارة البطريرك الراعي لمخاوفه من تسلم المسلمين السنّة للحكم في سوريا وامكانية تحالفهم مع المسلمين السنّة في لبنان بمرحلة لاحقة، لم تكن اشارة موفقة وليست في موضعها الصحيح على الاطلاق، لأنه يصور الواقع على غير حقيقته وينعت السنّة بأوصاف لا تتطابق مع واقعهم ونهجهم وممارساتهم وتعاطيهم مع شركائهم في الوطن· فهو يعرف حق المعرفة ان الانظمة والجهات التي تحض على التطرف وتعمل على تدريب وتخريج المتطرفين على ايدي اجهزة مخابراتها، هي الانظمة التي يسوق غبطته لبقائها في سدة السلطة وكانت تعمل طوال العقود الماضية لتصدير هؤلاء المتطرفين الى لبنان وغيره من الدول العربية في اطار السعي لإبراز نفوذها وتوظيف هذه الممارسات التخريبية في اطار مصالحها الدولية·
لم يكن البطريرك الراعي مضطراً لوضع المسلمين السنّة في لبنان في مواجهة معه من دون مبرر او سبب مقبول، لأنهم لم يكونوا في مواجهة مع المسيحيين او غيرهم أو رأس حربة لإستهداف أحد، ولم يكن كذلك مضطراً لوضع المسيحيين المؤيدين لمسيرة السيادة والاستقلال في مواجهته كذلك، ولم يكن مضطراً لإثارة حفيظة واستياء الدول العربية المجاورة التي يحكم معظمها المسلمون السنّة كذلك، وهي على علاقات جيدة مع مسيحيي لبنان على الدوام·
كان الأجدى للبطريرك نفي ما قاله في فرنسا بالمطلق أو الاعتذار عما صدر عنه، لكان وفَّر على نفسه فرصة تبدل نظرة معظم اللبنانيين تجاهه بسرعة قياسية·