لعب القدر بأبناء بيت واحد، جمعته أرض وقسمته جدران الغرف، لتتقوقع كل غرفة على نفسها. فسقطت الأبواب المشرعة من حسابات السكينة وفرضت الأبواب الحديدية الضخمة نفسها سيدا على ضوضاء عواصف الحقد، فصارت سمة ذلك المنزل لون الموت.
بيت صغير في آخر القرية نأى بنفسه عن جاره وغاص في غور محبة قرميده، فأضحى احمرار السطح علامة مشعة يتغلب فيها لون الملوك على لون الموت والكآبة، وغابت أسارير الحزن عن جنائنه، ليبقى بياض حجارته الخارجية يشع ضياءً، ويعكس نقاوة قلب ذلك المنزل الصغير.
تجري المياه في عمق أرض أشبعها الضجيج ومنع عنها سماع أبناء الأرض، فأضحت سوداء التراب عاقرة الجمال، لا قمحا فيها ولا ورود، بل شوك وزؤان، تينها علقما وتوتها سفرجل، فكيف لبيت آخر القرية ان يحيد عن حكم جيرة؟
وفي ليلة شتاء، مرت الرياح من قرب قلب البيت الأسود، فقرعت على أسواره، ولم يفتح لها الحديد. فعادت تلك الرياح وقرعت، وكانت الاجابة صمت خائف من رياح قد توقظ نارا أخمدت منذ زمن. فعادت وقرعت، لكن قرعها هذه المرة كان قاسيا، حتى أن الأسوار تمنت لو فتحت احضانها من المرة الاولى. وقفت الجدران خائفة من ريح ظالمة واحست لوعة ظلم تربت من ظلمه.
أما في الناحية الأخرى، ورغم قرب المكان، كانت الرياح تستقبل في البيت الأبيض كعادتها استقبال الأبناء، وكانت فسحة المكان الصغير تحتضنها نسائما حرة.