ما زال الجدل مضطرماً بين المؤرّخين المعاصرين حول الحيثيّات والمدى الذي بلغه أكل لحوم البشر غداة حملة الفرنجة الأولى على الشرق (إصطلاح "الصليبية" لم ينحت في اللغة العربية إلا في القرن التاسع عشر بغرض النقل عن اللغة الفرنسية وقتها). ففي مقابل ندرة المصادر العربية التي تتحدّث عن هذا الجانب المريع، نجد فائضاً من التفاصيل في مرويّات المشاركين بالحملة، حيث يظهر أنّ مدينة معرّة النعمان في الشمال السوريّ تعرّضت أكثر من سواها لهذه الشهوة الإلتهامية الدمويّة.
وإذا ما تجاوزنا الطابع "الأخلاقويّ" الصرف لإستعادة هذه المسألة في رواية أمين معلوف "الحروب الصليبية كما رواها العرب"، نجد أن جزءاً أساسيّاً من الجدل التأريخيّ المعاصر تناول البعد الدينيّ لهذه الظاهرة، أو ما يُعرف الآن بالجدل حول "الكانيباليّة المقدّسة" (علماً أنّ مصطلح الكانيبالية نفسه لم يظهر قبل إكتشاف القارة الأميركية) وما إذا كانت وجدت حقيقة أو كانت مبالغة كبيرة أو محض إختلاق.
لكن المرء لن يحتاج لهذا الإسقاط التاريخيّ ولا للغوض في جدل المؤرّخين للقول إنّ ما يحدث في سوريا اليوم، من معرّة النعمان حتى درعا، ومن اللاذقية حتى البوكمال، يمثّل شكلاً معاصراً من أشكال أكل لحوم البشر. ليست هذه "تهمةً" قدر ما هي الصورة التي يسعى النظام المحتضر في سوريا إلى بثّها بين فئات الشعب السوريّ المختلفة علّها تعتبر وتوقف عملية إستجماع عناصر الإجماع الوطنيّ حول لزوم الإطاحة بالكابوس البعثيّ الأسديّ.
بيد أنّ حجّة هذا الإسقاط التاريخيّ تكمن في مكان آخر. فالبعض بإضفائه عباءة دينيّة على ما يقوم به النظام الفئويّ الدمويّ بحقّ أكثريّة أبناء الشعب السوريّ إنّما يتطوّع، بشكل مجّانيّ أكثر من مريب، لإضفاء هالة من "الكانيباليّة المقدّسة" (والكانيبالية هي أن يأكل الحيّ من لحم النوع الذي ينتمي إليه) على مجمل الممارسات التي يرتكبها النظام الفئويّ بحقّ الشعب الثائر. وإذا كان فقراء الفرنجة في الحملة الأولى برّروا التهامهم لأبناء معرّة النعمان بعدَ طهيهم أو من دون طهي، ثم اصطنعت لهم التبريرات "العقائديّة" لاحقاً، فإنّ "الخوف من تطرّف الأكثريّة" و"الخوف من الفوضى" و"الخوف من الغد بالمطلق"، والأدهى من كلّ ذلك "الخوف من الشرق أوسطيّة"، إنّما تصطنع التبرير لإعطاء مزيد من الوقت لـ"أكلة لحوم البشر" الذين نصفهم بـ"الشبيحة" في عالم اليوم، أي بمعنى آخر، ليته كان معنى رمزياً فقط، لكنه بالفعل يقارب الحرفيّة، إعطاءهم الوقت لطهي ضحاياهم.
يحاول البعض اصطناع تبريرات تخفيفية لهذه "الكانيبالية المقدّسة" التي تمارس اليوم بإسم "تحالف الأقليّات". لكن التملّي في كل هذه التبريرات يظهر أنّها تصلح إدانة إضافية لهكذا "كانيبالية مقدّسة"، ذلك أنّ ثمّة من يرهن بل يهدر رصيداً راكمته أجيالٌ وأجيالٌ من القدّيسين والطوباويين والشهداء والنسّاك والأحرار، من زمن أغناطيوس الأنطاكيّ إلى زمن أحمد فارس الشدياق. ونذكر تحديداً هذين الإسمين، لأنّهما يمثّلان في فترتين تاريخيتين متباعدتين تماماً، سمة أساسية لقدر المسيحيّة في مهدها الأوّل، شرق المتوسّط. فأغناطيوس الأنطاكيّ رمز أساسيّ لهذه المسيحية الأنطاكية في مرحلتها المبكرة، حيث فضّل أن يُساق معتقلاً من أرض إلى بحر إلى أرض حتى يبلغ الشهادة على يد الوحوش المفترسة في مسرح روما، مستفيداً من محنته تلك لنشر الدعوة في كل أرض يطأها، ومفضّلاً كلّ ذلك على التقوقع في بيئة تعتمد لحماية وجودها على تكارم الطغاة. أمّا أحمد فارس الشدياق، فيمثّل منذ القرن التاسع عشر عنواناً رمزياً للتحدّي الذي يواجهه أحرار المسيحيين في هذا الشرق: الخروج الكامل من عقلية "التقوقع كلّ في أقليّته" و"التحالف بين الأقليّات المتقوقعة" بإتجاه صياغة التحالف التاريخيّ، الضروريّ للغاية، وللسبب نفسه الأكثر صعوبة، بين أحرار الأكثريّة وأحرار الأقليّات، بل إنّ أحرار الأكثريّة والأقليّات لا يستكملون تنويرهم إلا على هذا النحو.