كتبت مارلين خليفة في صحيفة "السفير": نيويورك مدجّجة بالأمن. مدينة الضوضاء والأضواء تبدو مربّعا أمنيا في المساحة الممتدّة من مبنى الأمم المتحدة ولغاية أحياء الفنادق الفخمة الجاثية أمامها السيارات السوداء الفارهة والكلاب البوليسية الضخمة ورجال البوليس ببزاتهم السوداء والمخابراتيين المدنيين المشتتين تحت شجرة أو على مفترق أو في السيارات ذات الزجاج الأسود. اتخذت السلطات الأمنية الأميركية أقصى درجات الحيطة والحذر قبيل أيام من افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي يحضر أعمالها 99 رئيس دولة في مقدمهم الرئيس الأميركي باراك أوباما نزيل فندق «وورلد أوف إيستوريا» الذي تحوّل محيطه منذ يوم الاثنين الى منطقة شبه محظورة.
بتأخّر يوم واحد عن موعد افتتاحها السنوي المعتاد كل ثالث ثلاثاء من شهر أيلول، بسبب انعقاد اجتماع رفيع المستوى عن الأمراض غير المعدية، تفتتح الجمعية العامة في الأمم المتحدة أعمال دورتها الـ66 اليوم برئاسة السفير القطري ناصر عبد الناصر بكلمات لرؤساء الدول وبينهم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي سيلقي كلمة لبنان في ترتيب هو الثامن، على أن يبدأ مندوب البرازيل دوما بإلقاء كلمة بلاده ويتلوه الرئيس الأميركي.
فلسطين: أجواء ما قبل طلب عباس
فلسطين هي نجمة نيويورك المتألقة في الدورة 66 للجمعية العامة، وفي طريقها الى الدولة الكاملة العضوية تمر عبر مسلكين: مجلس الأمن الدولي وهو خيار الرئيس الفلسطيني محمود عباس لغاية هذه اللحظة، علما أن عباس أبلغ أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون أمس الأول في اجتماع في الأمم المتحدة بأنه سيرفع إليه طلب عضوية بلاده يوم الجمعة، ومن المتوقع ألا يؤخر بان عرض الموضوع على رئاسة مجلس الأمن الدولي اقله إذا تماشى مع تصريح له في 9 الجاري قال فيه بأنه يحق للشعب الفلسطيني بدولة، ملوحا بأن بت الطلب "سيكون سريعا"، وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ"السفير" أن بان سيرفع الطلب إلى رئاسـة مجلس الأمن يوم الاثنين القادم في أبعد تقدير…
يحتاج قرار قبول العضوية كما بات معروفا إلى أصوات 9 أعضاء في مجلس الأمن الدولي، ويقول الفلسطينيون انها صارت مضمونة "في الجيبة"، ولكن المعروف أنه لغاية الآن هناك 6 دول مضمون تأييدها التام للطلب الفلسطيني هي: روسيا والصين والهند والبرازيل ولبنان وجنوب إفريقيا. في حين يرتبط قرار الغابون بفرنسا وقرار نيجيريا بالولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من اتفاق الإتحاد الإفريقي على تأييد الطلب الفلسطيني إلا أن الالتزام قد لا يشمل جميع دول الإتحاد، فيما تخضع البرتغال للضغوط الألمانية والإسرائيلية، أما البوسنة التي زارها الرئيس محمود عباس أخيرا فلم تعطه جوابا واضحا ونهائيا، ومن المعروف أنها تتماهى مع المواقف الأميركية في مجلس الأمن، فيما تتخذ ألمانيا موقفا ضد الدولة الفلسطينية وتحافظ بريطانيا وفرنسا على الغموض البناء، أما موقف الولايات المتحدة فهو الرفض التام لأي طلب من هذا النوع والتهديد باستخدام حق النقض(الفيتو) في الوقت المناسب.
في هذه الأثناء، يبدو الانقسام جليا بين الدول الأوروبية، وثمة اتهامات لممثلة الشؤون الخارجية الأوروبية كاترين آشتون وخصوصا من وزير خارجية فرنسا آلان جوبيه بأنها لم تعرض الموقف الأوروبي كاملا في مفاوضاتها مع الرئيس عباس، خاضعة بالتالي للضغوط الإسرائيلية، ما حدا بعباس الى اتخاذ خيار التوجه الى مجلس الأمن الدولي. وتريد بعض الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا والسويد وإسبانيا أن يتوجه عباس بطلبه الى الجمعية العامة، ما يكسب فلسطين صفة دولة مراقبة على غرار الفاتيكان أو سويسرا قبل انضمامها الى الأمم المتحدة عام 2003، أي أن تختار عمليا خطوة رمزية وتنتقل من مقعد مراقب الى مقعد مراقب آخر مع أفضلية الدخول الى جميع المنظمات الدولية وأخطرها بنظر إسرائيل المحكمة الجنائية الدولية حيث من الممكن أن ترفع قضايا بجرائم حرب على المسؤولين في الدولة العبرية. في الواقع يقع الكباش الأوروبي الداخلي الأهم بين فرنسا وألمانيا وهو مرتبط بالناحية المالية المتمثلة بإمكانية مساعدة ألمانيا المالية لمنطقة اليورو حيث ستكون عندها كلمتها مسموعة أكثر في القضايا الأخرى.
أما الدول العربية فدورها محدود ومشتت ولن يكون للرئاسة القطرية للجمعية العامة طيلة السنة القادمة إلا طابعا روتينيا، علما بأن الرئيس القطري الحالي السفير ناصر عبد الناصر له أهمية إجرائية في موقعه، فمن المهم أن يقتنع رئيس الجمعية بأي موضوع يطرح على الجمعية حيث بالإمكان عرقلة مسار أي موضوع لا ينسجم وقناعاته.
الى مجلس الأمن… در
وفي انتظار فك الإشتباك الأوروبي وجلاء مواقف بعض الدول، فإن السؤال المطروح في الأوساط الدبلوماسية في نيويورك هو حول مدى جدية الخطوة الفلسطينية ومدى الصلابة التي سيتمتع بها الرئيس عباس في التشبث بقراره الذهاب الى مجلس الأمن الدولي، وإمكان ألا يتعدى الأمر مجرد مناورة سياسية للمقايضة بهدف الرجوع الى طاولة المفاوضات مع إسرائيل؟
تقنيا يمكن معرفة حقيقة الحركة الفلسطينية بحسب دبلوماسي أممي رفض الكشف عن اسمه "من خلال مراقبة السلوك الذي سيتبعه الفلسطينيون والرئاسة اللبنانية والأمين العام بان كي مون". فالتوجه الفلسطيني الى مجلس الأمن الدولي عبر الأمين العام سيشكل إحراجا للولايات المتحدة التي ستستعمل حق النقض (الفيتو) وهذا ما تحاول الولايات المتحدة تجنبه عبر إفراغ الطلب الفلسطيني من مضمونه وإسقاطه دوليا بلا اي حركة علنية منها، وهنا يأتي دور الطرف الثاني المتمثل بالرئاسة اللبنانية التي يمثلها رئيس بعثة لبنان الدائمة الدكتور نواف سلام. فإذا سارعت هذه الرئاسة الى عرض الطلب على أعضاء مجلس الأمن مباشرة فهذا يعني أن أميركا ستحرج لأنه سيترتب عليها استخدام حق "الفيتو"، أما إذا عمد الرئيس اللبناني الى تأجيل عرض الطلب فأقصى حد للتأجيل المقبول لدراسته لا يتعدى الأيام الخمسة 5، وإلا تكون الولايات المتحدة قد استخدمت نفوذها بطرق مختلفة ومنها تحويل الطلب الى لجان لدراسته ثم تسويفه الى أجل غير محدد إلا في حال قررت 9 دول في مجلس الأمن طلب بت الموضوع الفلسطيني حالا.
هل سيطرح لبنان الطلب الفلسطيني مباشرة على مجلس الأمن الدولي؟
الجواب العلني الذي يقدمه رئيس بعثة لبنان الدائمة الى نيويورك السفير نواف سلام لـ"السفير" هو الآتي: "نحن على تنسيق يومي مع الوفد الفلسطيني واي قرار سيتخذ سيكون قرارا عربيا وفلسطينيا متخذا في لجنة المبادرة العربية وفي الوفد الفلسطيني".
يضيف سلام: «عندما أستلم الطلب سأتصرف فيه منسقا مع الإخوة الفلسطينيين، يصلنا الطلب فيدرسه المجلس ويشكل لجنة ممكن أن تنتهي أعمالها بجلسة واحدة وقد تتطلب أكثر من جلسة، بعدها يتخذ المجلس موقفا على ضوء التقرير الذي تعدّه هذه اللجنة وقد تكون العملية طويلة الأمد أو قصيرة الأمد".
بالعودة الى الطرف الثالث المعبر أداؤه عن التوجه العتيد فهو أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، فالسؤال المطروح هو عمّا إذا كان سيعمد الى تحويل الطلب الفلسطيني بسرعة أم لا الى الرئاسة اللبنانية لمجلس الأمن الدولي، وسط تراجع دور الأمم المتحدة امام سـلطة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة؟
أمام الأمين العام 3 خيارات: إما أن يحول الطلب الفلسطيني الى رئاسة مجلس الأمن بلا أي تعليق أو يرسله مع تأييد واضح وطلب اتخاذ قرار سريع، ومن يعرفون الأمين العام الحالي يستبعدون اتخاذه هذا الموقف لأن له ثمنه السياسي، فالأمين العام الاسبق بطرس غالي دفع منصبه ثمنا لتأييده التقرير الدولي لقوات الطوارئ الدولية في شأن مجزرة قانا عام 1996 والذي يحمل مسؤولية واضحة للإسرائيليين إذ أرسله الى مجلس الأمن مع الموافقة عليه وتبنيه، أما الخيار الثالث للأمين العام فهو تقديم اقتراحه الخاص بشأن الطلب الفلسطيني.
سيناريوهات أممية عدّة تدلّل على المسار الذي سيسلكه الطلب الفلسطيني في أروقة الأمم المتحدة، ومع حلول الذكرى الخمسين لمصرع ثاني أمين عام للأمم المتحدة داغ همرشولد في الكونغو، يعتبر كثر بأن الأمم المتحدة تفتقر منذ زمن الى رجالات من خامته حيث انتقل الى الكونغو شخصيا في محاولة منه لمنع تقسيمها والحفاظ على دور المنظمة الدولية هناك حيث لاقى حتفه. بالطبع تبدلت الظروف اليوم، لكن يمكن لبان كي مون إذا أراد إبداء آراء معينة وواضحة وليس كلاميا فحسب، لأن للأمم المتحدة مفاتيحها في العبارات والسلوك، فحين يريد الأمين العام توجيه انتباه العالم الى موضوع معين يفعل ذلك بسهولة. فقد رغب بان بشدّ الإنتباه الى خطورة التغير المناخي فانتقل في زيارات الى القطبين الشمالي والجنوبي لتصويب الإنتباه الى ذوبان الثلوج، حتى سرت نكتة في أروقة المنظمة الدولية تقول بأن شعار الأمم المتحدة تحول من شعار صنع السلام الى احتضان البطريق!