مرّة جديدة، يعود ميشال عون ليؤكد أنّ سياسته والعبث صنوان، وأنّ منطقه في مجمله لا يحترم أي شيء بما فيه تاريخه الشخصي المهني.
"تعليكه" على الإنجاز الجديد لشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي يدخل في سياق ذلك العبث الناشف، وذلك الأداء المسفّ في رعونته: إذا بقي المجرمون طلقاء، خرج ليفخّت بالقوى الشرعيّة ويتّهمها بالتقصير، وإذا نجحت في مكان ما، كما فعلت بالأمس في البقاع الغربي، خرج متأبّطاً العبث في مقام لا يحتمل إلاّ تأدية التحيّة احتراماً لأداء رفيع المستوى، ومهنية لا تشوبها شائبة، ولا تلطخّها كلمة افتراء سائبة.
.. كان في ما مضى رجال دولة يعرفون حدودهم، وحدود الفصل بين أهوائهم وسياساتهم من جهة، والمصلحة الوطنية العامة والعليا من جهة ثانية. وكان ذلك الفصل واحدا من علامات تشييد طود من الاحترام الجليل لصاحب الموقف حتى لو كان على الرصيف الآخر لشارع السياسة اللبنانية.
.. وكان زمن، فيه الرجال أعلام كرام بقدر ما خرجوا من ذاتيّتهم وأنانيّتهم وتخرّصاتهم. وبقدر ما افترضوا أنّ شمشون أسطورة ليس من الحكمة على عاقل الأخذ بها أو التشبّه بسيرتها. وأنّ العمل المؤسّساتي الدولتي النظامي التام، يختلف تمام الاختلاف عن العمل الحزبي الخاص، أو عن شغل المخاتير في القرى.. وأنّ المؤسسات الرسمية عموماً، والأمنية والعسكرية خصوصاً، هي العمود المركزي الذي تقوم عليه خيمة الشرعيّة، ومن دونه تهرّ وتتحطّم وتيبس الأعمدة الأخرى المتعلقة بالسلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية. بل انّ أولى موجبات المنطق تفرض القول إنّ الأمن (الشرعي) يسبق الخبز ويوازي الحياة، ومن دونه، سيادة لكواسر تحيل الدنيا غابة موت وفناء.
.. كان زمن، فيه الرجال كرام وأعلام إذا ناخت طموحاتهم أمام مصائر دولهم، وإذا اختشوا وخجلوا وضمروا أمام افتراء طمسته الحقيقة، واتهام غلط فطّسته الوقائع وكبّلته أحكام عادلة.. لكن أي زمن هذا الذي نعيش فيه.. وأي فجور هذا الذي ما عاد أصحابه يعرفون شيئاً من حياء وبعضاً من خجل ورشفة من وجل؟ وأي جنون هذا الذي يستبدل عصابة إجرامية بجهاز أمني شرعي؟ والجيش الوطني بميليشيا، وإن كانت أعلى كعباً بشعارها من ميليشيات حروب لبنان المألوفة؟ ويعتبر فعل العمالة والتجسّس وجهة نظر شطحت خارج النص قليلاً؟! يدّعي وصلاً بالعفّة ومحاربة الفساد ويغرق في بحر من المحسوبيّات والتزلّم والأصهار، ولا أحد فوق هذا، يقول شيئاً عن تراكم أمواله ومصدرها و"طبيعتها"؟
.. مقاوم آخر زمن، لا تشق له "ويكيليكس" غباراً، ولا تترك له مطرحاً سعته سنتيمتر واحد لإدّعاء مصداقية ما، ومع ذلك يقدّم شهادات الممانعة بالغير وتفتخر بفتوحاته وشهاداته ممانعة آخر زمن! وآخر عبث.. ويا زمان العبث، يا علامات آخر زمن!