ليس صعبا على أيّ مراقب ملاحظة الإرباك الذي اتّسمت به ردّات فعل فريق مسيحيّي 14 آذار على التحوّل الذي طرأ على خطاب رأس الكنيسة المارونية من باريس الى بعلبك ولاحقا في الجنوب، وما سيعلن من مبادئ وما سيوقّع شفويّا من وثائق.
قد يعود السبب الى سرعة هذا التحوّل والشكل النافر الذي أعلن عنه، لكن لا يمكن فصله عن مفاجأة هذا الفريق وعدم جهوزيّته لخوض معركة مع المرجعيّة التي طالما شكّلت الغطاء والحاضن له، لا بل كانت المرجع القائد لكلّ المسيرة التي لم تبدأ قبل إطلاق لقاء "قرنة شهوان" ولم تنتهِ بعد نداء المطارنة الموارنة عام 2000، والتي تكاد تتلاشى مع إصرار البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي على إرساء نهج جديد عنوانه "الشركة والمحبّة"، ومضمونه نسف إرث كنيسة مار نصرالله بطرس صفير، وعواقبه التي يقرأها مقرّبون من البطريرك تختصر بالمعادلة الآتية: الراعي قال كلمته ولم ولن يتراجع، ومن يُرِد مقاطعته فسيعزل نفسه.
وعلى إيقاع التسارع البطريركي الهادف الى ترسيخ التحوّل المستجدّ، لم يعد من الصعب ملاحظة ارتباك قوى 14 آذار من "سميرها" (الدكتور سمير جعجع) الى "ساميها"( النائب سامي الجميّل)، فيما يتفرّج فارس (سعَيد) وسميرها الثاني ( سمير فرنجيّة) على هذا الارتباك من دون أن تجد النصائح بالبدء بالمواجهة عاجلا، قبل أن تتحوّل المواقف البطريركيّة عرفا لا يعود بعده من مكان للتصحيح.
وإذا كان سامي الجميّل قد أُربك بفعل ما أدلى به البطريرك في قضيّتي سلاح حزب الله والمحكمة، فإنّ إرباك جعجع لا يخفى على أحد، وخصوصا عندما سيصعد غدا إلى بكركي لالتقاط الصورة التذكاريّة الثانية للّقاء الماروني الذي وللغرابة ساهمت مواقف البطريرك نفسه في جعله "لقاء تذكاريّا".
وبعد أن ذهب البطريرك بعيدا في تأكيد ما قاله في باريس في احتفائية بعلبك، لم يعد ممكنا السؤال حول ضرورة التعبير عن المعارضة القاطعة وغير الملتبسة لهذه المواقف او عدم ضرورتها، كما لم يعد ممكنا الاختباء خلف مبرّرات تهميشية لخطورة ما ذهبت اليه مواقف البطريرك، كالتذرّع بأنّها قيلت على شكل خطاب مأدبي، او انّها أتت بنت اللحظة، او أنّ توضيحا سيصدر عن البطريرك، او أنّ الفاتيكان لم يكن راضيا عمّا قيل.
وبالنسبة الى "القوات اللبنانية" تحديدا، والتي تشكّل قوّة أساسيّة في 14 آذار، فإنّ اتّخاذ موقف حاسم من كلام البطريرك بات أمرا ضروريّا ولا يفترض ربطه باحتفال او مهرجان، فكيف إذا كان عدم اتّخاذ موقف قد تحوّل مشاركة ولو صوَريّة في لقاء تحت عباءة البطريرك بحلّة مواقفه التي لا تهدأ.
وإذا كان جعجع لا يُلام على إمساكه بميزان الذهب لبروفة ردّة فعله على كلام البطريرك مخافة أن يُتّهم بالوقوف في وجه الكنيسة، او خشية ان يتمّ تحميله مسؤوليّة إحباط التقاط الصورة التذكاريّة الثانية، فإنّ ما يُنتظر منه ومن مسيحيّي 14 آذار ان لا يتأخّروا عن قول كلمتهم، أوّلاً، لأنّ هذا التأخّر لن يعيد ثوابت نصرالله صفير الى بكركي، وثانيا، لأنّ صمتهم يوصل رسالة الى اللبنانيّين والعرب والعالم، بأنّ المسيحيّين قد حسموا خيارهم تحت عباءة هذه المعادلة التي تخشى زوال أنظمة الاستبداد.