كتب عامر مشموشي في صحيفة "اللواء":
عادت قضية تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحتل مركز الصدارة في الاهتمامات الداخلية، و ذلك على ضوء التناقض في المواقف حيالها بين الرئيس نجيب ميقاتي الذي تعهّد في إحدى إطلالاته التلفزيونية بدفع حصة لبنان في المحكمة، عند الاستحقاق، رافضاَ الكشف عن الآلية التي ستُعتمد لتأمين المستحقات المالية على حكومته، وبين حلفائه في الحكومة فريق الثامن من آذار الذين رفض باسمهم رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون كل ما تعهّد أو التزم به الرئيس ميقاتي وأعلن صراحة أن حلفاءه في الحكومة ليسوا على استعداد لتمويل المحكمة، وذهب إلى أنه حتى إذا وافق "حزب الله" المعني الأساسي بهذه المحكمة على التمويل، فإن وزراءه في حكومة الميقاتي لن يقبلوا بما يقبل به "حزب الله".
ولاحظت الأوساط السياسية، بعد تصريح النائب عون، تبدّل في مواقف نواب "حزب الله"، يميل إلى الإيحاء بأن الحزب راضٍ عن هذه التصريحات ولا يتعارض موقفه الحقيقي مع إعلان النائب عون برفض الموافقة على التمويل، ما ترك انطباعاً عند هذه الأوساط بوجود أزمة صامتة بين الرئيس نجيب ميقاتي وحلفائه بما يتعلق بتمويل المحكمة، وهي مرشحة للانفجار عندما يحين استحقاق مطالبة الحكومة اللبنانية من الأمم المتحدة بوجوب دفع ما يتوجب عليها من مستحقات بما يهدد فعلاً مصير الحكومة الميقاتية، بحيث يجد الرئيس ميقاتي نفسه مضطراً إلى الاستقالة انسجاماً مع تعهداته للبنانيين والعرب والمجتمع الدولي بدفع مستحقات لبنان تجاه المحكمة في حال لم يتجاوب "حزب الله" وحلفاءوه معه في هذا الأمر الذي لا يحرجه وحده وإنما يحرج حليفه الوسطي رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط الذي أعلن تجاوبه مع الرئيس ميقاتي ودعا إلى أن يلتزم لبنان بموجباته تجاه المحكمة ومنها تسديد المستحقات المالية.
وقد تأكدت مواقف جنبلاط من هذا الموضوع في تصريح أدلى به وزير شؤون المهجرين النائب علاء ترّو في حفل عشاء خرّيجي الحزب التقدمي الاشتراكي ودعا الحكومة إلى الالتزام بموجباتها تجاه المحكمة ومنها دفع مستحقاتها المالية.
وأعلن الوزير ترّو أنه لا يتكلم باسمه فقط وإنما بالنيابة عن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي انتدبه لتمثيله في هذا الحفل.
وعلى ذمة الأوساط نفسها، فإن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أسرّ قبل سفره إلى نيويورك لترؤس إحدى جلسات مجلس الأمن الدولي إلى عدد من أصدقائه بأنه ليس بعيداً عن توجه الرئيس ميقاتي فيما يتعلق بالمحكمة الدولية والتزامات لبنان تجاهها، وهو بالتالي سيكثّف بعد عودته من نيويورك مشاوراته واتصالاته مع "حزب الله" وحلفائه للحصول منهم على الموافقة بتسديد موجبات لبنان المالية تجاه المحكمة، خصوصاً وأن لبنان مطالب من الأمم المتحدة ومن مجلس الأمن الدولي بالالتزام بكل موجباته المالية وغير المالية واحترام القرارات الدولية من دون أي استثناء، ولا يمكن أن يتعارض مع المجتمع الدولي وهو الذي يرأس مجلس الأمن الدولي.
غير أن الرئيس سليمان ومعه الرئيس ميقاتي، لا يخفيان عن المقربين منهما قلقهما من أن يتحوّل موضوع تمويل المحكمة الى أزمة قد تطيح بكل الجهود التي يبذلانها للحفاظ على وحدة الحكومة واستمراريتها، وتضع بالتالي الحكومة في مهب الريح.
إلا أنهما ما زالا يعوّلان على تفهّم "حزب الله" للمقتضيات الدولية التي تحتم على لبنان الإيفاء بالتزاماته تجاه المحكمة وتجاه المجتمع الدولي، لأن الحزب يدرك تداعيات خروج لبنان عن المجتمع الدولي على أوضاعه الداخلية وعلى علاقته مع هذا المجتمع، في ظل المتغيرات التي تشهدها الساحة العربية القريبة والبعيدة، ولذلك ينصحان الحزب بصرف النظر عن الموقف المعارض لحليفه النائب عون بالاستجابة لطلب المجتمع الدولي والتعامل مع رئيس الحكومة بإيجابية ومرونة لإيجاد مخرج لتمويل المحكمة لا يحرجه ولا يشكّل له تحدياً من موقعه الرافض للاعتراف بهذه المحكمة أو التعامل معها بوصفها مسيّسة وأنشئت للنيل من حزب الله ومقاومته للعدو الاسرائيلي.
لكن الأوساط المقرّبة من الرئيسين سليمان وميقاتي تعتبر بأن الأمر ما زال بحاجة إلى مزيد من المشاورات بين الفريق الواحد الذي تتألف منه الحكومة الحالية، لكي تتبلور المواقف على ضوء المستجدات الداخلية والعربية والخارجية، الأمر الذي يحتم تأجيل البحث العلني في هذا الموضوع، وإذا أمكن إبعاده عن التداول لأن من شأن الاستمرار في تداوله بوسائل الإعلام أن يؤدي إلى تعقيد الأمور بدلاً من تسهيلها.
وتقول هذه الأوساط بأن التأجيل في ظل التباين الحاصل سيكون سيّد الموقف، إلى أن يحين موعد استحقاق موجبات لبنان المالية تجاه المحكمة، لكنها (الأوساط) تخشى من أن يقدم فريق كالنائب ميشال عون إلى دفع الأزمة في اتجاه الانفجار قبل استكمال المشاورات التي من الطبيعي أن تنشط بعد عودة الرئيسين سليمان وميقاتي من نيويورك.