ثلاثة عقود ونيّف مرّت على استشهاد الرّفاق الذين قرّبوا حياتهم قربانًا على مذبح الوطن، واليوم بعد أن سار قدرهم بسرعة الضّوء نسأل أين أصبح قضاؤهم؟ هلى سينصَفون في محاكمة لمن كان السّبب في رحيلهم الطّوعي إلى دنيا الخلود؟
رحلوا حيث أرادوا، لأنّ رحيلهم كان طوعيًّا. أمّا نحن فما زلنا هنا لأنّهم قرّروا أن يرحلوا عنّا. لذلك إن ننسى لن ننسى ذكراهم. وهذه السّنة صلاتنا معهم غير كلّ عام، قدّاسنا كلّه معانٍ لأنّ الثّوابت وإن إهتزت فلم ولن تقع. نترقّب سريان الحوادث في المنطقة والعالم لنستخلص مدى صوابيّة مواقفنا. هذا العام صلواتنا بانتظار القضاء الذي يسير بتأنٍّ ليصل في نهاية المطاف إلى أحكامٍ عساها تكون منصفة بحقّ من دفع حياته ثمنًا لبقاء وطنه. لقد سار رفاقنا درب الشّهادة بسرعة تفوق سرعة البرق والضّوء لأنّهم اقتنعوا بقضيّتهم. لكن السّؤال المطروح اليوم: أين أصبحت القضيّة؟
القضيّة ما زالت هي هي، والمشعل لم تطفأه نيران الغدر والانقلاب على الثّوابت. حمله رفاق أوفياء لدماء الشّهداء والأكثر مؤمنون بهذه القضيّة لأنّها عابرة للزّمن. فالوجود المسيحيّ الحرّ الذي دافعوا عنه ما زال بخطر وأجراسنا ما زالت تقرع رغمًا عن كلّ الغاصبين.
مطالبتنا اليوم بالقضاء العادل، واجب علينا لنكون على الدّرب الصّحيحة في متابعة مسيرة الحفاظ على الوجود المسيحيّ الحرّ في هذا الشّرق. فما نطالب به اليوم هو الوجود وليس الحضور، لا نريد منّة من أحد في تأمين حضور لنا نكون فيه خاضعين لسطوة سلاح أو مال أو لرهبة عقيدة دينيّة أو ما شابه ذلك. ما نريده هو الوجود المستمدّ من تاريخ طويل، وجود فاعل في المؤسّسات والدّولة والقرار والرّؤى الاستراتيجيّة لمصير ومسار الدّولة. وشهداؤنا دفعوا ثمن وجودنا اليوم أحرارًا في هذا الشّرق وعلى هذه الأرض بالذّات التي زارها المسيح. من هنا يجب أن يكون قرار القضاء سريعاً أيضاً، علينا تخطّي كلّ الخلافات غير المفصليّة بين بعضنا البعض، وعلينا التّعالي عن كلّ الجراح وعدم الانجراف وراء المواقف المتسرّعة. كذلك علينا عدم الانجرار إلى مهاترات جدليّة حول حقائق تاريخيّة لم تٌثبت بعد حتّى الآن، فلندع التّاريخ وحده يوثّق ويثبت ما يتمّ الجدل حوله في الدّوائر المجتمعيّة الصّغرى والكبرى. والأهمّ من ذلك كلّه، علينا الصّمت وقتما يجب الصّمت إجلالا للذين غابوا ولندع من يتكلّم اليوم ليتولّى الكلام، فالثّمار لا تجنى عن الشّجر وقت تفتيح البراعم، إنّما عندما تنضج هذه البراعم، وزمن النّضج قريب جدّا فلنرتقبه بحذر وشوقٍ.
لئن كان قدركم مستعجلا والقضاء المرتقب متمهّلا، فيا رفاقي الشّهداء ألا ارقدوا اليوم بسلام لأنّ القضاء الذي حلمتم به بات حقيقة، والهدف الذي استشهدتم لأجله لم يعد بعيدًا فهذا ما سنجنيه لأنّنا حملنا المشعل بأمانة، لذلك كلّ الرّفاق مدعوّين اليوم إلى المشاركة الفاعلة في قدّاس الشّهداء هذا العام لتجديد الوعد بمتابعة المسيرة ولتأكيد قدر القضاء وقضاء القدر العصيب الذي رافقنا لسنين عجاف.