ليست هناك مشكلة حقيقيّة في تمويل المحكمة الدولية. فبين تمرير التمويل واستمرار الحكومة، الخيار الأوّل هو الأقلّ كلفة لدى دمشق و"حزب الله". والبحث جارٍ عن الآلية التي من شأنها "السماح" بذلك ضمن ثابتتين: الأولى هي عدم قيام "الحزب" بأيّ خطوة قد توحي باعترافه بالمحكمة، في شكل مباشر أو غير مباشر. والثانية هي تجنّب إحراج الرئيس نجيب ميقاتي، وتالياً رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بإظهارهما وكأنهما ينقضان تعهّداتهما الدولية بدعم قرارات مجلس الأمن والمحكمة. وقد ذهب ميقاتي الى حدّ الكشف أمام الذين يعنيهم الأمر انّ المحكمة بالنسبة اليه توازي الحكومة أهمّية. ويقول المتابعون: إذا ما اقتضت الظروف ان يختار ميقاتي بين استمرار الحكومة والتزام المحكمة، فإنّه سيختار الثاني.
الحكومة مستمرّة… اضطراريّاً
السوريّون أبلغوا حلفاءهم في لبنان بضرورة تجنّب أيّ ذريعة لإسقاط الحكومة، قبل تلقّيهم ضوءاً أخضر في هذا الشأن من العاصمة السوريّة مباشرة. ففي الظرف العصيب الذي يمرّ به نظام الرئيس بشّار الأسد، ليس هناك من حكومات عربية تُقدّم الخدمات له وتدعمه في المحافل الدوليّة سوى حكومة الرئيس ميقاتي. وإذا ما ظهرت هذه الحكومة متمرّدةً على الشرعيّة الدولية وتحوَّل لبنان دولةً مارقة، فسيكون النظام أوّل الخاسرين، لأنّ لبنان سيفقد رصيده عندئذٍ.
لذلك يبدو "حزب الله" أكثر المتحفّظين في إعلان رفض التمويل، ويترك الأمر لحليفه العماد ميشال عون. لكن ذلك لا يعني في أيّ حال أنّ "الحزب" سيبارك المحكمة "الأميركيّة والإسرائيلية"، كما يصفها قادته. وهو سيغضّ الطرف عن المخرج المحتمل، في الوقت الذي يواصل فيه حملته العنيفة على المحكمة، بحيث يظهر التمويل وكأنّه تمّ من دون إرادة منه، ومن الحكومة التي له ولحلفائه غالبيّة أعضائها.
للغالبيّة السابقة "فوائد"
الرئيس سليمان أعطى إشارة اطمئنان مباشرة في نيويورك الى مستقبل المحكمة، ما يعني التزاماً بالتمويل. ولن يكون رئيس الحكومة، وهو يتأهّب لاختتام الشهر اللبناني في مجلس الأمن، أقلّ حزماً في إعلانه التزام المحكمة والقرارات الدولية ذات الصلة بلبنان. فرئيس الحكومة يدرك انّ دمشق و"الحزب" مقتنعان، حتى الآن، بأنّ استمرار الحكومة له أفضليّة على التمرير الروتيني لتمويل المحكمة، وأنّ عدم قيام الحكومة بدورها لا يوقف عمل المحكمة في أيّ حال. فنظام المحكمة يُقِرّ بدائل وتبرّعات لتغطية أيّ عجز في وفاء لبنان بحصّته من التمويل. كما أنّ المحكمة لا تزال تحظى بتغطية لمصاريفها على مدى الأسابيع الخمسة المقبلة.
والأرجح أن يتهرّب مجلس الوزراء من الإحراج الذي ينتج عن مسألة التمويل، وأن يتولّى إقراره المجلس النيابي، من خلال اقتراح قانون يحظى بدعم نوّاب المعارضة و"التكتّل الطرابلسي"، الذي يضمّ أيضاً وزير المال محمد الصفدي، و"جبهة النضال". ويقضي القانون بإضافة بند الى موازنة العام 2012.
مكاسب… على الطريق!
وفي الانتظار، يستثمر "حزب الله" معركة التمويل سياسيّاً في وجه خصومه الداخليّين. ويرى أن لا مانع من المقايضة فيها. وما دام تمريرها محسوماً، فلماذا لا يحقّق بعض المكاسب في مقابل موافقته الضمنيّة الاضطرارية، سواء في تحسين الموقع داخل السلطة أم في مجال التعاطي مع المحكمة الدولية وقرارها الاتّهامي، الصادر منه والمنتظر صدوره؟
وتؤكّد مصادر سياسيّة أنّ "الحزب" لن يمرّر التمويل من دون عاصفة من الرفض العنيف، لإظهار الاعتراض على "المحكمة المسيّسة"، وللردّ على عرقلة المعارضة لمشاريع يطرحها حلفاؤه، كالكهرباء، والحصول على وعود في ملفّات أخرى.
وضمن هذه الضوابط، تواصل حكومة ميقاتي سيرها على خطّ رفيع معلّق في الهواء. فلا تسقط بضغط خارجيّ سببه المواجهة مع المجتمع الدولي، ولا بضغط داخليّ سببه انسحاب "حزب الله" وحلفائه منها… الى أن يفقد اللاعبون قدرتهم في المناورة على حبال الهواء.