كتب بيار عطاالله في "النهار": للبلدات والقرى المسيحية في أقصى الجنوب التي سيزورها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي غداً واقع يختلف عن المناطق الاخرى سواء في رواية تاريخ الاحداث اللبنانية التي اندلعت من تلك الانحاء منذ العام 1948، او في الوقائع الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية التي تظهر كل مؤشراتها ارادة صلبة للتمسك بالارض والصمود فيها رغم كل المحن والويلات.
يشكل المسيحيون الطائفة الثانية عدداً في الجنوب، وفي الاحصاءات التي يوردها الباحث عبده سعد ان عدد الناخبين الشيعة في الجنوب 491,220، ويشكل الناخبون المسيحيين 124 ألفاً منهم، ويليهم السنة بحوالي النصف، فالدروز. وينتشر المسيحيون اساساً في مناطق جزين وشرق صيدا والزهراني في شكل كثيف وتليها منطقة مرجعيون وحاصبيا ثم انحاء بنت جبيل وبعدها منطقتا النبطية وصور. اما المسيحيون في القرى والبلدات الحدودية فيبلغ عددهم 38,160 ناخباً بين اقضية حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل، يمثلهم نائب ارثوذكسي واحد هو رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي اسعد حردان، علماً ان الغالبية الساحقة من مسيحيي المنطقة الحدودية من الموارنة لا يملكون مقعداً لتمثيلهم في مجلس النواب وربما كان تمثيلهم من اول المطالب التي تحتاج الى دعم البطريرك الراعي ورعايته عند درس قانون الانتخاب سعياً لتأمين صحة التمثيل للمسيحيين، فيعامل الجنوبيون ابناء الحدود اسوة بالعلويين في طرابلس والأرمن في المتن، وهلم جرا.
مسيحيو بنت جبيل
تنقسم خريطة الانتشار المسيحي في تلك المناطق في تجمعين كبيرين، الاول في ناحية بنت جبيل يضم بلدات دبل، عين ابل، رميش والقوزح ويبلغ عدد الناخبين المسيحيين فيه حوالي 15150، اضافة الى علما الشعب التابعة لقضاء صور والتي يعمل قسم كبير من سكانها لدى قيادة قوة الطوارئ الدولية في الجنوب مما ادى الى ازدهارها مقارنة بالبلدات المجاورة.
تتشابه احوال جميع هذه البلدات والقرى بدءاً من عين ابل بلدة البطريرك الراحل مار انطونيوس بطرس خريش التي يقيم فيها حوالي 1500 مواطن شتاءً، يرتفع عددهم صيفاً وخلال العطل والاعياد الى حوالي 5000. يعتاش الاهالي المقيمون من الانخراط في مؤسسات القطاع العام، الذي يشكل المورد الاكبر للمقيمين بسبب غياب الاهتمام بالاستثمار ذي المردود على الاهالي ومن يطلبون العيش والبقاء في قراهم. والتلامذة الذين يتخرجون في مدارس الراهبات الشهيرة في عين ابل سرعان ما يجدون انفسهم امام خيارات قاسية تراوح بين البطالة او الانخراط الصعب في مؤسسات الدولة. وفي رميش البلدة الاكبر في تلك الانحاء (سكانها 6000 شتاء و9500 صيفاً)، تبدو الامور افضل نسبياً بسبب انخراط قسم كبير من اليد العاملة في زرع التبغ والعناية به مما يشكل مورداً لعائلات بأكملها، اضافة الى العمل في القطاع العام والانخراط في المؤسسة العسكرية والامنية اللبنانية. ويحاول الاهالي العمل من خلال مشاغل خياطة ومعامل لصناعة الرخام والبلاط في غياب مشاريع اقتصادية ذات قدرة عالية على التوظيف في منطقة هي في امس الحاجة اليها. وفي رميش مدارس رسمية وللراهبات الانطونيات ودير للرهبانية اللبنانية المارونية والاهم فرع لجامعة الروح القدس الكسليك يضم كليات محددة ومستوصفات اشهرها مستوصف الصليب الاحمر الذي ادى دوراً كبيراً خلال حرب تموز 2006 في اغاثة تلك المنطقة الملتهبة، والتي رغم كل اوضاعها الصعبة لا يبيع اهلها ارضهم لاحد من غير ابنائها خارج البلدة. والى جوار رميش بلدة دبل التي يبلغ عدد سكانها حوالى 1500 نسمة شتاءً و2500 صيفاً، ويعمل أهلها في زرع التبغ والقطاع العام ويهتمون بالزيتون، كما في القوزح البلدة الصغيرة المجاورة التي حافظت على طابعها القروي وعدد سكانها 500.
مسيحيو مرجعيون وحاصبيا
التجمع الثاني الاكبر للمسيحيين في اقصى الجنوب يضم حوالي عشر بلدات وقرى هي: دير ميماس، برج الملوك، القليعة، جديدة مرجعيون، كوكبا، راشيا الفخار، ابو قمحة، ابل السقي، الماري، دبين، بلاط وحاصبيا، ويبلغ عدد ناخبيها حوالي 23 الفاً، يتعايش فيها المسيحيون الموارنة والارثوذكس والكاثوليك والبروتستانت اما منفردين او مع الشيعة والدروز في ناحية حاصبيا. من هنا تبرز اهمية الزيارة التي سيقوم بها البطريرك الراعي لمقام خلوات البياضة في حاصبيا، أهم المراكز الروحية لدى الموحدين الدروز. وتشكل بلدة القليعة بعديد سكانها المقيمين الـ6000 نقطة الارتكاز للمسيحيين في تلك الناحية، ورغم ان عدد سكان بلدة جديدة مرجعيون المسجلين لا المقيمين اعلى بكثير، تبقى الوقائع الميدانية الديموغرافية الاقوى.
في جديدة مرجعيون مركز القضاء الاداري والسياسي فروع للمصارف وسرايا حكومية ومستشفى كان للراهبات قبل ان يصبح تابعا لوزارة الصحة العامة، ومدارس خاصة ورسمية ومهنية وثكنة ضخمة للجيش هي ثكنة فرنسوا الحاج" وعشرات المؤسسات الخاصة والعامة، وتلك التابعة للمجتمع المدني. لا يتجاوز عدد سكان جديدة مرجعيون 2500 نسمة،ويرتفع الى 5000 صيفا وخلال العطل والاعياد، وهي تكتسب اهمية لادوارها التاريخية والجغرافية في تاريخ الجنوب خصوصا ولبنان عموما. اما احوال القرى والبلدات المسيحية الاخرى في تلك القصبة فتكاد لا تختلف عن مثيلاتها مع فارق ان اوجه الحرمان في مرجعيون وحاصبيا تفوق بأضعاف المناطق الاخرى نتيجة الحرب المستعرة "رسميا" في تلك الانحاء منذ العام 1969، تاريخ التوقيع على اتفاق القاهرة المشؤوم".
يقدم مسيحيو الشريط الحدودي ما اصاب بلدة العيشية من تهجير ومجازر نموذجاً عن معاناتهم المزدوجة، سواء مع الدولة اللبنانية التي تخلت عن ابسط واجباتها تجاه مواطنيها مما ادى الى انحلال المؤسسات العسكرية والامنية، وهيمنة التنظيمات الفلسطينية المسلحة على كل الجنوب، ليجدوا انفسهم متروكين امام خيارين احلاهما مر "البحر من امامكم والعدو من ورائكم". وكانت مصيبة القرى الحدودية الثانية والادهى اضطرارهم الى الحصول على الدعم من العدو الاسرائيلي الذي اعتصرهم على مذبح مصالحه وحساباته الخاصة وسياساته الاقليمية.
غدا عندما يصل البطريرك الى الجنوب يجب ان يحمل معه الى الاهالي الصامدين، الامل في ان يكون لهم نائب ماروني يمثلهم، ومشاريع استثمارات للصندوق الماروني والاثرياء المسيحيين، ودعما لهم للانخراط في مؤسسات الدولة المدنية منها والعسكرية من دون عقبات واتهامات بالعمالة والتخوين. والاهم يجب ان يسمع الاهالي ان الكنيسة ومؤسساتها الى جانبهم فعلا لا قولا، فالصمود لا يكون ببناء المجمعات السكنية في انطلياس والجمهور، بل ببناء منازل للشباب في القليعة ومرجعيون وكوكبا ورميش وعين ابل وتأمين فرص عمل لهم هناك. والاهم ان الاهالي يريدون حلا لمن نزح منهم الى اسرائيل، وثمة مشاريع قوانين لـ"التيار الوطني الحر" وحزب الكتائب في هذا الشأن.