كتب جاد أبو جودة في موقع العونيين الإلكتروني:
خطوةً خطوة، تقدَّمتِ "القواتُ اللبنانية" في تراجعها على درب الأحداث الطويل، مذ كانت مؤسسة جامعة للقوى العسكرية الرئيسة الأربع التي شاركت باسم المسيحيين في حرب سنتي 1975- 1976، وصولاً إلى تحوّلها حزباً سياسياً شخصانياً، لم يعد يحمل من الماضي إلا الإسمَ والراية…
الأولون صاروا آخرين، والآخرون أولين، فغدت "القوات اللبنانية" شعباً بلا قضية، ومقاومين من دون مقاومة، وانقلب التاريخ رأساً على عقب، والخطوات مهما كثُرت، ومهما روِّج لها وأُنفق لتسويقها، تبقى ناقصة…
عشية إحياء القداس السنوي لحزب سمير جعجع، من المؤكد أن المسيحيين انتفت حاجتهم إلى سياسيين من الصنف الذي سيعتلي منبر ملعب فؤاد شهاب، الذين تتبعهم مجموعات ساذجة من البشر، فتباع صورهم إلى جانب صور القديسين، لا بل جنباً إلى جنب مع صور السيد المسيح ذاته…
ولم يعد المسيحيون في حاجة كذلك، إلى قوى سياسية تحول الرموز الدينية شعارات سياسية، فيما هي أبعد ما يكون عن تحقيق ما تدعي من أهداف سامية.
ما نحن في حاجة إليه راهناً هو عمل سياسي مؤسسي، لا يقوم على الأشخاص، بل المبادئ والأفكار التي تتطور مع الوقت، وليس من العيب أن يتحول قائد سياسي ما إلى رمز، لكن العيب- كل العيب- يكمن في التأليه والتقديس والانجرار وراء الأوهام التي لن تلبث أن تتبخر فيسقط الذين آمنوا بها أرضاً ويقعون مجدداً في ما سمي سابقاً إحباطاً.
إن تغيير الذهنيات والخلفيات الفكرية عند بعض المسيحيين بات أمراً ملحاً. فالسذاجة السياسية المتحكمة بعقول كثيرين آن لها أن تنجلي، بحيث يدرك الجميع بأن العيش في الأوهام لن يؤدي إلا إلى 13 نيسان 1975 آخر، حين انهار المجتمع، فتفككت الدولة…
ولعلّ أكثر ما يغيظ أولئك الذين يدّعون احتكار الدفاع عن المسيحيين اللبنانيين، هو أن يقوم طرف آخر معني بمصير المسيحيين بفضح ما يعتري خطابهم السياسي من شوائب، ومقابلته بخطاب سياسي بديل، يسعى هو الآخر إلى الحفاظ على الوجود المسيحي اللبناني الحر والكريم.
العماد ميشال عون كان أول من تحدث، فشنَّت "الحرب الكونية ضدّ العونية"، واليوم جاء دور البطريرك بشاره الراعي…
لقد تعب المسيحيون من المتاجرة بالقضية، وأرهقهم استغلال الشهداء، وأضنتهم المراهنة على نمو سياسي يربو نتيجة ردود فعل طائفية شعبية على أفعال طائفية سلطوية، وآن لهم أن يقابلوا كل فعل طائفي برد فعل وطني، فيتغلبون على الغريزة، ويحكّمون العقل، فيصيرون أقوياء ليقوى بهم لبنان، لأن قوته من قوتهم وضعفه من ضعفهم…