تعود بنا الذاكرة دومًا الى عهد وصاية الظلم و الظلام ، يوم ما بقي للوجود الحر في لبنان الاّ ملجآن ، الملجأ الأول ؛ كان في بكركي وفي حضرة غبطة أبينا البطريرك صفير الذي مدّنا لسنوات طوال بحبل الايمان والرجاء ، حيث كانت لكلماته القليلة القليلة مفاعيل في نفوسنا أقوى من مفاعيل القرارات الدولية في نصوصها. أما الملجأ الثاني فكان الى مثواكم الأخير ،حضن سيدة ايليج سلطانة الشهداء الذي يضم رفات مئات الشهداء حيث جهدنا لسنوات على زيارة الدير العتيق لنثبت للراحل الكبير شارل مالك أننا لم نرتكب الخطيئة الكبرى التي أوصانا بعدم ارتكابها يوم قال " أن ننسى ، لن ننسى شهداءنا الذين استشهدوا لأجل أن نبقى نحن ، أن ننساهم تلك هي الخطيئة الكبرى . "
قاسية كانت زيارات تلك الأيام حيث كانت تبدو مدافن الشهداء غارقة في صمت عميق وحزن أعمق، ولكم اعتقدنا لقلّة ايماننا آنذاك أن الوطن قد ضاع وضاعت معه تضحيات الشهداء أجمعين .
لقد أحكم النظام السوري بعد اتفاق الطائف قبضته على لبنان ، لقد اغتال الرئيس رينه معوض ، ونفى العماد ميشال عون واعتقل الدكتور سمير جعجع ،واضطهد وشرّد كل أبناء القضية ولم يبق لنا في التسعينيات سوى ملجأين ، الأول في بكركي لنقل الشكوى والثاني في سيدة ايليج لنقل الحزن والوجع ، الى أن كان بيان مجلس المطارنة في أيلول العام 2000 يوم أطلّ المونسنيور الراحل يوسف طوق بصوته الرصين الثاقب يدعو فيه القوات السورية لإعادة انتشارها تمهيداً لإنسحابها من لبنان ومعه انطلقت الدينامية التي أنتجت عام 2005 وبتوحّدنا مع الشريك المسلم انتفاضة الاستقلال.
لقد كان شهداء المقاومة اللبنانية بداية الطريق، طريق استعادة الحرية والسيادة والاستقلال . تطلّ ذكراهم هذه السنة ليس كأي سنة من سنوات النضال إطلاقًاً لأن قضية الحرية قضيتهم ، أصبحت قضية انسانية عربية أممية وكم يتشابه نضال الأحرار مهما اختلفت هوياتهم أو مهما اختلفت الثقافات والايديولوجيات .
سنشارك في ذكراهم هذه السنة التي تحمل معها الخير وسنتحدّى زخّات المطر لأجل من تحدّى لأجلنا زخّات الرصاص .
يكاد يكون نبيّاً الشهيد الحرّ سمير قصير لأن الربيع العربي حلّ في ذكراكم هذه السنة تباعاً، ولو كان حيّاً لكتب " تأملات في العنفوان العربي " بدل أن يكتب " تأملات في الشقاء العربي " ، لكن حسبه أن مصطلحاته أصبحت متداولة على معظم وسائل الاعلام العالمية ، وحسبكم يا شهداء المقاومة اللبنانية أنكم كنتم بداية الطريق ، طريق مواجهة الأنظمة العربية الاستبدادية بجيوشها ومخابراتها وعملائها وأدواتها ، وحسبكم أنه اصبح لديكم ملايين الرفاق على امتداد العالم العربي التواق الى الحرية .
لا خوف لدينا ابدًا من الربيع العربي ، لأن الأحرار يتفاعلون ويتفاهمون مع الأحرار ، أما العبودية في ظل انظمة القمع والقهر فلا تنتج الا الخضوع والخنوع والركوع والزحف والذل والعمالة والاندثار ، الاندثار لأن المسيحيين لا يستطيعون العيش في محميات تتناقض الحياة فيها مع كل مفاهيمنا المسيحية الحرّة التي قلبت وجه الامبراطورية الرومانية أعتى امبراطورية في التاريخ ، ان مسيحيتنا فعل ايمان حرّ لم يخضعه اجرام الامبراطور نيرون وبالتالي لن يخضعه آخر الرؤساء الاستبداديين .
لقد حاول البعض ولا يزال تشويه صورة المقاومة اللبنانية أمام مجتمعها ليوهم هذا المجتمع انه هو الحلّ ، كما حاول البعض طيلة عقود إلباس هذه المقاومة صفة الانعزالية والفئوية المنشقة عن العالم العربي و عن قضاياه المحقة ، الى أن دارت الأيام العربية دورتها الكاملة لتسقط منطق هؤلاء الانتهازيين ، لقد قال العالم العربي من مشرقه الى مغربه كلمته :" الشعب يريد اسقاط النظام " وأي نظام ؟ انه النظام الأمني الذي تاجر بالقضايا العربية واتّهم كل من عاداه بالتآمر والعمالة ، انه النظام الذي أرسل الينا ألوية حطّين واليرموك … وأتبعهم بقوات ردعه التي جعلتنا لعقود نقتل ونُقتل ونتقاتل، ثم دارت أيام الزمن العربي دورتها الكاملة لتسقط عن شهدائنا كل التهم .
في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية هذه السنة نعود الى مثواهم الأخير ، لنضع الورود بفرح عظيم لأن فجر العدالة والمحاكم الدولية أتى و فجر الحرية آتٍ عمّا قريب ، والنظام العربي الذي قتلكم بالأصالة أم بالوكالة هو في آخر عزلته وعلى شفير السقوط ، ولن نتلهى بعد اليوم بالرد على من شوّهوا شهادتكم وقضيتكم لأنهم أصبحوا تفاصيل التفاصيل ، فعندما يٌصاب نظام في صلبه تتهاوى معه الأطراف .
شهداء المقاومة اللبنانية ، تحية منّا ومنكم الى مار نصرالله بطرس صفير الذي يترأس القداس عن أرواحكم هذه السنة ، فهو لا يزال يواكب ذكراكم رغم تعب العمر الطويل .
وعهدنا لكم أننا سنتذكر عند كل طلعة شمس أنكم كنتم شهداء النهضة العربية الثانية بداية الطريق ، وبفضل شهادتكم بقينا وعلى درب قضيتكم سوف نستمر .
عضو المكتب السياسي في حركة الاستقلال