تبدي مصادر ديبلوماسية مؤثرة اهتمامها بما اعلنه رئيس الجمهورية ميشال سليمان امام الجمعية العمومية للامم المتحدة من التزامه المحكمة الخاصة بلبنان من ضمن احترام لبنان قرارات الشرعية الدولية، ولاحقا بكلام في حديث اعلامي متلفز أكد فيه ان "التزام القرارات الدولية ليس انتقائياً، ومهما تكن الظروف فإنه سيتمكن من التزام القرار المتعلق بالمحكمة". لكنها توقفت في الوقت نفسه عند قوله "يجب الا يؤدي التمويل الى مشكلة داخل الحكومة، ويجب العمل على الا يحصل ذلك". اذ ان لبنان الرسمي المشارك بقوة في اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة أو في رئاسة مجلس الامن لهذا الشهر عبر دعم قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية على مستوى رئيس الجمهورية أولاً، ثم لاحقاً عبر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، يحاول ان يعطي هذا الالتزام بعداً كبيراً من خلال هذه المشاركة بالذات. يضاف الى هذا التزام ما يتصل باصرار سليمان في الكلمتين اللتين القاهما امام الجمعية العمومية ومجلس الامن على حض المجتمع الدولي على الزام اسرائيل القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701.
إلا أن هذا الالتزام المبدئي لا يزيل اي شكوك في تعاون الحكومة اللبنانية مع المحكمة أو انه لم يفعل بعد، لأنه لم يحسم الالتباسات التي يثيرها التعاون المحتمل في شأن الآلية التي ستعتمدها الحكومة من اجل التمويل في مرحلة أولى. وتثير المصادر الديبلوماسية تساؤلات عن الاسلوب أو الصيغة التي سيعتمدها رئيس الحكومة من اجل تنفيذ ما التزمه اكثر من مرة في الآونة الاخيرة، بما يوحي ان هذه المصادر تخشى ان تكون التأكيدات امراراً لمرحلة المشاركة الرسمية في الامم المتحدة وابعاد المسؤولين اللبنانيين عن انفسهم عبء شرح ملابسات صعبة وربما السعي الى لقاءات لن تعقد لو ان لبنان لا يعتزم التزام التعاون مع المحكمة. وتاليا فإنه بعد امرار هذه المرحلة، قد يصطدم رئيس الحكومة، ولو انه حسن النية على المستوى الشخصي ازاء تنفيذ التزاماته بمعارضة من "حزب الله" وحليفه المسيحي في الحكومة "التيار الوطني الحر". اذ ان الأول لم يعلق أخيراً في اي مرحلة من مراحل التأكيدات التي قدمها رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة على المحكمة، سلباً أو ايجاباً، في حين ان التيار العوني، أعلن رئيسه العماد ميشال عون رفضه الكلي للتعاون مع المحكمة على نحو يشي برفض وزيرالعدل في الحكومة شكيب قرطباوي الذي يمثل "التيار الوطني الحر" المشاركة في توقيع سلفة خزينة من أجل تمويل المحكمة، تبدو الخيار الوحيد المحتمل، مما أثار قلقاً جديا من المقاربة التي سيعتمدها ميقاتي لتنفيذ التزامه، سواء من ضمن الحكومة أو من خارجها، وهل ستعلق الامور بين مشكلة ابداء جزء من الحكومة حسن النية والرغبة في التعاون مع المحكمة وتعطيل جزء آخر أكثر فاعلية من الأول هذا التعاون؟ ولذلك فان الاسئلة الديبلوماسية بدت كثيرة ومعلقة من دون أجوبة عن هذا الموضوع، في غياب توضيح مباشر من ميقاتي للآلية التي ستعتمد من اجل التزام تأكيداته في هذا الاطار واعتماد اركان الحكم ما يمكن اعتباره الغموض البناء الذي لا يجيب عن تساؤلات المصادر الديبلوماسية في هذا الاطار، والتي تتلقى اجوبة في الغالب تتصل بان هناك بحثاً جدياً عن الصيغ الملائمة التي توفق بين كل المواقف. وفي حين تبرز المصادر الديبلوماسية هذه التساؤلات وتحاول ايجاد اجوبة لها لدى الاكثرية كما لدى المعارضة، تحاول مصادر موازية أن تبدي ثقة كلية بتأكيدات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على نحو يضع كلاً منهما أمام تحدي تنفيذ هذه الالتزامات.
ومع ان الموقف الغربي من الحكومة لا يزال معلقاً أو مرتبطاً باداء الحكومة في موضوع المحكمة والتعاون معها، فان هناك اهتماماً موازياً يتصل بواقع محاولة استشفاف موقف "حزب الله" من التمويل لجهة احتمال عدم ممانعته في ايفاء رئيس الحكومة بوعوده في هذا الاطار من جهة، والمخرج لموقف الحزب الذي اعتبر مراراً ان المحكمة هي لخدمة اسرائيل من جهة اخرى. فهذه المتابعة لمواقف الحزب قائمة باستمرار، لكن ثمة جديداً يستوقف في مواقف الحزب الذي أقر على لسان امينه العام السيد حسن نصرالله أخيراً بوجود خرق لصفوف الحزب من جانب اسرائيل، في حين أنه رفض العرض الذي كان قدمه الرئيس سعد الحريري من اجل استيعاب موضوع وجود متهمين محتملين من الحزب في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وقاد حملة اعلامية في خطابات متتالية تنزه الحزب عن اي خرق محتمل، مما اثار تساؤلات عن تمهيد لمحاولة مواجهة المحكمة الدولية بالمنطق السابق الذي رفضه الحزب، لكن من دون الحريري، علماً ان انباء عن خروق جديدة نشرت اخيراً من دون مواقف جازمة من الحزب تنفي حصولها.
وتسمع هذه المصادر الديبلوماسية في موضوع تمويل المحكمة سيناريوات تتصل باحتمال موافقة الحزب ضمناً على التمويل، حفاظا على المكاسب التي يحصل عليها من خلال استمرار الحكومة وصولا حتى الانتخابات النيابية بناء على الجهود التي بذلها أخيراً لعدم تفجر الحكومة من داخل. وذلك تحت طائلة مواجهة التجديد للمحكمة في آذار المقبل، علما ان كثرا يعتبرون ان التمويل سيضيق عمليا هامش معارضة المحكمة عملها باعتبار ان المنطق الذي يحكم التزام التمويل والتعاون مع المحكمة هو الذي يحكم لاحقا من دون اي اختلاف بين الاثنين. وتعتبر المصادر الديبلوماسية المعنية ان موضوع التجديد يتعلق بالامين العام للامم المتحدة بان كي – مون وقراره في هذا الشأن، علما انه يتعين عليه استشارة الحكومة اللبنانية ومجلس الامن. وثمة رأي قوي مفاده انه يمكن بان ان يستشير الحكومة بطريقة تمكنه من اخذ قراره من دون ارباكه من الحكومة باعتبار ان اي موقف علني ضد التجديد يحرج الامين العام رغم انه صاحب القرار.