من يطالع الصحف امس يقرأ على لسان البطريرك الراعي الشيء ونقيضه في شأن الجدل حيال مواقفه الباريسية. فهو تارة يقول انه مع الدولة والحريات ولا ينسى "ماذا فعل الأسد باللبنانيين والمسيحيين". وتارة أخرى يقول ان ما قاله عن سلاح "حزب الله" أمام الرئيس الفرنسي ليس إلا لشرح حال هذا السلاح، فإذا ما أردتم حلاًّ له فعليكم معالجة مبرراته، أي حل القضية الفلسطينية.
وعلى ما يبدو ان ظاهرة "الشيء ونقيضه" لا تقتصر على الراعي، فهي منذ أطلّت نسائم الربيع العربي أصابت كل الذين يتمتعون بالسلطة في كنف نفوذ النظام السوري وسطوة النظام الايراني وتابعه الأمين "حزب الله". ومن الأمثلة التشاطر الذي مارسه الرئيس ميشال سليمان في نيويورك في موضوعي الديموقراطية والقرارات الدولية، ومثله فعل ولا يزال الرئيس نجيب ميقاتي في موضوع المحكمة. أما الرئيس نبيه بري الذي خرج لتوه من "الجرم المشهود" في برقيات ويكيليكس فيداري أمره بمحاضر من صنعه تصيب المرء بنوبة ضحك وهو يتابع فصولها. لكن الاعراض الأشد تأثيراً لهذه الظاهرة اصابت "حزب الله" ووصلت شظاياها الى حليفه النائب ميشال عون. والاخير الذي خرج من عباءة صدام حسين في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ليدخل في عباءة اللوبي اليهودي في الكونغرس الاميركي ثم ليدخل في العباءة المشتركة لحاكم دمشق وولي فقيه طهران وجد نفسه مضطراً الى التراجع تكتيكياً في "استراتيجيته المشرقية" ليفتح جبهة خاسرة في قانون الكهرباء، ويستتبعها اليوم بمعركة في الطبقة الثانية من وزارة الاتصالات! وماذا عن "حزب الله"؟ من يريد أن يدرس ظاهرة "الشيء ونقيضه" لا بد أن يتتبع سلوك الحزب الذي فرض عليه الربيع العربي الرقص على حبلين أو أكثر. فهو، ومثله حاكما دمشق وطهران، ظنوا أن الربيع العربي لن تتجاوز موساه ذقن حلفاء واشنطن. لكنهم فوجئوا بأن ذقن نظام الأسد لن تنجو بالتأكيد من الحلاقة. وفيما كان صوت الحزب يعلو ولا يزال في البحرين حول دخول بضع مئات من قوات درع الجزيرة السعودية، كان الصمت مطبقاً على دخول عدد غير معروف من قوات الحرس الثوري الايراني الى لبنان عبر مطار بيروت، وفق ما تشير اليه معلومات. لكن المفارقة الأشد وضوحاً كانت منذ أسبوع عندما كشف تلفزيون النظام السوري بعد فترة تشويق عن "السر المهم" وراء اغتيال القيادي العسكري في الحزب عماد مغنية في دمشق. فتبين ان "الانجاز" مرتبط بالمواطن الاردني اياد يوسف إنعيم الذي اتهم بافشاء سر "لون سيارة" مغنية مما سهّل اغتياله! بالتأكيد، داوى اعلام "حزب الله" المصيبة الاعلامية بالصمت. فيما كانت عائلة الاردني تكشف زيف التهمة وتكافح من أجل خروجه سليماً من قبضة الأجهزة الأمنية السورية.
المرجع الصالح ليحلل سلوك من تصيبه ظاهرة "الشيء ونقيضه" هو علم النفس، وخصوصاً أن المصابين ما زالوا يصرّون على ان هناك فصلاً وحيداً في عالمنا العربي هو الخريف وما يستتبعه حكماً من خرف.