صورة لبنان، من خلال ثلاثة أحداث شهدها الأسبوع الماضي، تكشف بما لا يدع مجالا للشك ليس سوء حال الدولة في المرحلة الحالية فقط بل وسواد المستقبل أيضا، في ما لو استمر الوضع على حاله.
والأحداث الثلاثة، على كونها "طبيعية" أو "روتينية" بالنسبة للبنانيين الذين اعتادوا على مثلها منذ سنوات، تقول في واقع الأمر ما يحاذر البعض أن يجهر به حفاظا على الحد الأدنى من الأمل بأن الغد لن يكرر ما كان في السابق، أو حتى ما هي عليه الحال الآن. تقول بوضوح، وبصوت عال، ان الهزال في الدولة وصل الى ما لا يجوز السكوت عنه من جهة أولى والى أن الأيام المقبلة ربما لن تكون قادرة على العودة عنه أو حتى اصلاح الاضرار البالغة التي يلحقها بالبلد من جهة ثانية.
الحدث الأول، هو الملابسات التي رافقت مشروع وزارة الطاقة لمعالجة مسألة الكهرباء، من لحظة بحثه للمرة الأولى في مجلس الوزراء الى تاريخ اقراره في مجلس النواب، وما بينهما من "مناورات" و"تلفيقات" و"تبويس لحى" ورسم "علامات انتصار" داخل مجلس الوزراء، ثم في اللجان المشتركة وعلى هامشها، وصولا بعد ذلك كله الى الجلسة العامة لمجلس النواب. وعمليا، فبين القرار الأول لمجلس الوزراء بشأن المشروع، والقرار الثاني للمجلس نفسه، ثم الصيغة التي أحيل بها المشروع الى اللجان المشتركة، وصولا الى الشكل الأخير الذي جرى التصويت عليه في مجلس النواب، قدمت الدولة صورة لها لا ينبغي أن تخجل منها فقط، بل أن تعيد النظر في المشروع في المقام الأول وحتى في تركيبة السلطة نفسها بالدرجة الثانية.
واذا أضيفت الى ذلك واقعة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري عمد، بعد مشاركته في جلسة اللجان، الى "تهريب" المشروع الى الهيئة العامة للمجلس، ثم تهريبه في الهيئة العامة نفسها، وواقعة أن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي فعل الشيء ذاته في جلستي مجلس الوزراء، تكون الفضيحة قد اكتملت فصولا.
قيل في العلن، وغالبا في السر، أن الهدف في النهاية هو المحافظة على "وحدة الصف" داخل الحكومة، وأن وزير الطاقة جبران باسيل، كما معلمه العماد ميشال عون هددا بالاستقالة من الحكومة في حال عدم تمرير(مجددا، "تهريب") المشروع كما يريدانه من دون أي تعديل، الا أن من شأنه ذلك ألا يقلل من هول الفضيحة بل يجعل منها فضيحة مجلجلة كما يقول العامة من الناس.
والحال، أن مجرد العودة بالذاكرة الى الطريقة التي اتبعت في إقالة الحكومة السابقة ثم في تشكيل الحكومة الحالية، كفيلة بأن تروي الحكاية من ألفها الى يائها.
الحدث الثاني، مبادرة رئيس "التيارالوطني الحر" العماد ميشال عون الى الدفاع عن مشروع وزيره(يصدف أنه صهره أيضا)، بالقول في مؤتمر صحافي، وبالحرف تقريبا، ان السرقات في الدولة أكثر من أن تعد وتحصى، وبالميارات وليس بالملايين فقط، من دون أن يقوم أي من أجهزة الرقابة بدوره في اكتشافها أو حتى في التحقيق فيها طيلة الفترة السابقة… فلماذا الضجة حول مشروع الكهرباء هذا، وادعاء أن هناك ضرورة لوضعه تحت الرقابة المسبقة لمجلس الوزراء أو لمساءلة أي جهاز تحقيق أو رقابة آخر؟.
ثم يقول عون في مؤتمره المتلفز أيضا، اذا كان الوزير هو رأس وزارته والمتصرف الوحيد بشؤونها، فلماذا يكون عليه ان يعود الى مجلس الوزراء في كل شاردة وواردة، أو حتى أن يطلع رئيس مجلس الوزراء أو زملاءه فيه على ما يقوم به من أعمال في وزارته؟.
ولم ينس عون، كعادته على امتداد الأعوام الماضية، توجيه الاتهام لحكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري، بالفساد والرشوة ومخالفة القوانين والهدر وسرقة المال العام، ثم ادعاء أنه شخصيا، وكتلته التي اختار لها اسم "كتلة الاصلاح والتغيير"، لن يتوانيا عن قيادة مسيرة "الاصلاح" في الدولة ومؤسساتها وأجهزتها كلها من دون استثناء.
كيف؟!. اذا كان ما قيل في المؤتمر الصحافي المتلفز هو المعيار، فمسيرة "الاصلاح" هذه لا تعني من وجهة نظر عون الا تعميم السرقات الموصوفة على فرض حدوثها خلال الفترة التي عناها على القاعدة التي يمكن وصفها ب"المساواة في الحقوق"… الحقوق بالسرقة ليس الا.
هذا مع العلم أن أحدا لم يتهم الوزير باسيل، ولا رئيس كتلته(لا سمح الله)، بالسرقة لا لشيء الا لأن المشروع كله ما يزال على الورق. هي فقط بعض الضوابط لطرق الانفاق والتلزيم واستدراج العروض وتقسيط مبلغ المليار ومائتي مليون دولار على مراحل، التي اقترحها بعض الوزراء في الحكومة ونواب المعارضة في المجلس وفي اللجان المشتركة، من أجل تحسين الأداء وضمان التنفيذ بأقل خسائر ممكنة.
فلماذا الحملة عليها، ثم الحديث عن السرقات، ثم في النهاية "تهريب" المشروع كله بالطريقة المشار اليها في اللجان وفي الهيئة العاملة للمجلس؟. هذا هو السؤال.
الحدث الثالث، انعقاد مجلس اتحاد البرلمانات العربية في القاهرة وعلى رأس جدول أعماله مناقشة إسقاط عضوية سوريا في المجلس وتجميد عمل مركزه في دمشق، احتجاجا منه على حملة القمع التي يشنها النظام فيها ضد الانتفاضة الشعبية المستمرة منذ أكثر من ستة شهور حتى الآن.
لم يعرف اللبنانيون أين كان مجلس النواب اللبناني بالمناسبة، ولا لماذا تغيب رئيسه أو نائبه أو حتى وفد متواضع منه عن الحدث الديموقراطي المهم، وفي النهاية ما هو موقفه من قرار المجلس دعوة الجامعة العربية الى تعليق عضوية سوريا فيها من ناحية ومواصلة البحث بطردها من اتحاد البرلمانات العربية من ناحية أخرى؟.
وأين هي الديموقراطية اللبنانية التي اعتدنا على وصفها بالرائدة في العالم العربي من ذلك؟.
هي ثلاثة أحداث في أسبوع واحد فقط، لكن ما تقوله ان للبنانيين أو للعرب أو للعالم هو أن صورة لبنان من خلالها باتت في الحضيض.
ولكأنه من أجل بقاء الحكومة، وعدم إغضاب العماد ميشال عون، ومراعاة خاطر النظام في سوريا، يهون كل شيء في هذا البلد…