دخل الرجل التسعيني على حاضرة الشهداء في ملعب فؤاد شهاب تحت أقدام عذراء حريصا، وإذ بالمشهد المؤثرّ يهزّ الحاضرين من جمهور عريض لم يكبح جماح نفسه ولم يتمالك عاطفته التي دفعته الى الوقوف تصفيقًا حارّاً وصفيراً ملؤه ابتسامة عريضة ارتسمت على وجوههم، ولكن المفاجأة دموع سمير جعجع التي ظهرت كدموع طفل اشتاق الى حضن أمّه… لعلّها من المرات القليلة التي يبكي فيها جعجع، ولكن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقاتها، دموع فرح وحسرة، دموع اشتياق لمن تشتاق اليه وهو يسكن في حضرتك، دموع تحسرّ على الرجل الرجل في زمن قلّ فيه الرجال، دموع لمشهدية لن يتمكنّ من صنعها الصغار فهي لحظة لن يقدر عليها الاّ الكبار الكبار أمثال إبن ريفون الصفيري الذي اجترح الاستقلال الثاني ووقف في وجه مزوريه بدعوات مغشوشة ذميّة كي ينتقل الى "قصر المهاجرين". "قصر المهاجرين أين يقع هذا القصر لا أعرفه، لم أسمع به من قبل"، بهذه العبارات أجاب البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير عندما سأله أحد الصحفيين عما اذا كان سيزور قصر المهاجرين. بكى سمير جعجع لحظة دخل بطريرك الاستقلال. بكى جعجع وأبكى معه الجمهور الحاضر، دموع المشاركين الذين تركوا كراسيهم ووقفوا من دون أي واجب ولا تكليف. رأيتهم بأمّ العين نواباً ورؤساء ووزراء وشخصيات، تناسوا بروتوكولاتهم و"البريستيج" وراحوا في رحلة تصفيق لم تتوقف قبل دقائق ليست بالقليلة.
سألت نفسي ما الذي أبكى سمير جعجع؟ هل الشهداء الذين عرفهم وقاتل معهم ودافع معهم عن الوجود المسيحي الحرّ في لبنان؟ ولكن سرعان ما أتاني الجواب: لم يبكِ في السنوات الماضية وإن فعلها الحكيم فهو لم يفعلها كما فعلها هذا العام. الجواب الذي أقنعني من دون عناء في التفكير ولا تعب في التحليل، من أبكى جعجع ومعه الجمهور هو نصرالله صفير. ولكن لماذا أبكانا اليوم ولم يبكنا حتى يوم كان يعتلي الكرسي البطريركي؟ هو اليوم بطريرك سابق وكاردينال حالي، شأنه شأن كثيرين يتقاعدون من أية موقعية يشغلونها لعقود من الزمن، ولكن سرّ هذا "الختيار" أنه هو السرّ بعينه.
ويبقى أمران أساسيان جوهريان دفعا بالجمهور والحاضرين الى تلك اللحظة المشاعرية التي ولدت عاطفة جيّاشة لن تكون عابرة بل هي أسّست وسوف تؤسس لمسؤولية جديدة على كاهل بطريرك الاستقلال.
السرّ الأول: نصرالله صفير كسر شوكة النظام السوري ولم يستسلم لإغراءاته التي مدّه بها من رسائل أسدية باستقباله استقبال الفاتحين واستضافته في ضيافة القصور والأبهيات الفخمة وإعطائه الدور الأول في صفوف من يصطف لدى الباب الواطي السوري.
صفير وقف وصمد وعاند ودافع. صفير ساند الحق اللبناني. صفير جعلنا نستمر ونصمد ونتعاضد. هو الفضل وله الفضل في كسر الشوكة السورية بعباءته التي ظلّلت المقاومين وبصمته أحياناً الذي كان أبلغ موقف وأكثر فاعلية من صراخ وجعير كثيرين.
السرّ الثاني: تواضعه القوي الطبيعي، استيعابه لشرائح لبنان أجمعين، وبالتالي لم يقفل أبواب بكركي في وجه أحد، وكان يقف على خواطر المقهورين يتلقى مخزون قهرهم ويلاقيهم كلّ يوم أحد ليصرخ في وجه الظالمين وليهزّ الجلاّدين بعصاه البطريركية.
لم يكن كثير الكلام، ولم يضطر طوال ثلاثة عقود الى توضيح أي موقف ولا تبرير ما يقوله، لذا اعتاد عند كلّ محطة تكرار عبارة "لقد قلنا ما قلناه".
إنه البطريرك الذي لا يغضب ولا يبغض، بعكس كثيرين حديثي النعمة في البغض والغضب وما أكثرهم باتوا اليوم في صفوفنا.
بكى جعجع عندما شعر أنّ لبنان والمسيحيين لا يزالون بحاجة الى الهامة الكبرى التي إسمها مار نصرالله بطرس صفير. بكى جعجع عندما استذكر مواقف "الختيار" الذي وقف وحده بعصاه يدافع ويدفع الشياطين عن لبنان .
هذا البطريرك دخل التاريخ وسيبقى خالداً فيه. ونحن سنستثمر دموعنا التي سقطت مع زخّات مطر تشرين الذي توقف انهماره عن قصد ليطلّ الوجه الخريفي علينا ويقول أوقفت المطر الطبيعي، عليكم اذاً بمطركم أي دموعكم علّها تغسل ألسنة وضمائر بعض الذين هان عليهم الاستهتار بالقضية اللبنانية.
الحدث هذا العام في قداس شهداء المقاومة اللبنانية بطريرك كبير ودموع كبار في الحرب كما في السلم. والحديث هذا العام في قداس الشهداء سيبقى حول مشهد وصورة عنوانها "عندما أبكى مارنصرالله بطرس صفير سمير جعجع والجمهور".