بغَضّ النظر عن الخطأ البروتوكوليّ الذي شكّل سابقة غير منتظرة أن يرسَل بطريرك كاردينال لتمثيل بطريرك في موقع القرار، ويرسَل معه رقيم بطريركي، بالأخصّ أنّ البطريرك بشارة الراعي هو من الحريصين جدّا على كرامة المقام، وعلى تكريم نصرالله صفير بمناسبة ومن دون مناسبة، ومنذ تولّيه السدّة البطريركية إلى اليوم.
بغَضّ النظر عن ذلك فإنّ حقيقة "الأيّام البائسة"، كما وصفها الكاردينال صفير، لهي كافية للتعبير بشكل حقيقيّ عن الحسرة الوطنية التي يشعر بها، ويشعر معه بها لبنانيّون كثر.
من هنا كانت كلماته المختصرة جدّا، والتي فرضتها لياقات الردّ على "وردة الشهيد" التي حملها إليه قائد القوّات اللبنانية رمزاً لشهادات من سقطوا دفاعاً عن لبنان، كانت كافية ليستفيد البطريرك صفير من الحدث ويخرق صمته الطويل باتّجاه موقف ـ
كلمة قاسٍ جدّا ومعبّر جدّا عن واقع الحال، وعن أزمة انتقلت إلى موقع خطأ، بعدما كان على المسيحيّين تحديداً، واللبنانيّين عامّة، أن يدعوا الثورات العربية إلى الاستمرار والتقدّم، بالأخصّ أنّهم يعبّرون عن قناعات ثابتة ذات صلة بالحرّيات وحقوق الإنسان.
وإلى جانب وقفة الكاردينال صفير، وموقف سمير جعجع من هذه المسلّمات ومن المبادرة تجاه "حزب الله" تحديداً، وضع مراقبون مجموعة ملاحظات، هذه أبرزها:
ـ إنّها المرّة الثالثة التي يبادر فيها زعيم مسيحيّ نحو "حزب الله"، وهو يعرف سلَفاً أن لا نيّة لديهم في التجاوب، وذلك لاعتبارات قد ترتبط بهم أو تتخطّاهم في الوقت نفسه، وسوف يخرج من المبرّرات ما يكفي للحدّ من مفاعيل المبادرة، إلّا إذا تلقّفها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أو رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وبادر أحد منهما أو معاً إلى محاولة ترجمتها واقعاً حواريّاً أكثر منطقيّة من الوضع السائد و"البائس".
ـ حسمت 14 آذار موقفها تجاه الثورات العربية لتقول ما معناه "لا يجوز أن أنقذك من لسعة الأفعى إلّا بعد أن تؤكّد لي ماذا ستفعل".
وهذه المقولة غير مقبولة نهائيّا في منطق 14 آذار، والتي تعتمدها قوى 8 آذار من "حزب الله" إلى ميشال عون.
ـ نجاح سمير جعجع في استقطاب شارع 14 آذار عامّة، وفي تثبيت أقدام القوّات اللبنانية كمؤسّسة نحو المستقبل، وعلى تحالف استراتيجي مع تيّار "المستقبل" ومع بُعده العربي.
ـ نجاح سمير جعجع في طرح قضيّة فلسطين التي كانت على جدول أعمال المسيحيّين ملفّا إشكاليّا أثناء محاولة سيطرة منظّمة التحرير على القرار اللبناني.
ـ نجاح القوّات اللبنانية في جعل 14 آذار يتبنّون منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وحتى اليوم، وخاصة في الشقّ السُنّي منها، مشروع لبنان أوّلاً قلباً وقالباً.
ـ تمكّن سمير جعجع من الإضاءة على بعد مدنيّ دقيق في الخلل في توازن القوى في لبنان يقوم على ما يلي:
أ ـ مواطن درجة أولى، أي عنصر من "حزب الله".
ب ـ مواطن درجة ثانية، أي لبناني إلى أيّ طائفة انتمى سواء كان شيعيّا أو مسيحيّا أو درزيّا أو سنّيا، ولا علاقة له بـ"حزب الله".
في المحصّلة، ختم المراقبون، أنّ الساحة اللبنانية على خطوات غير بعيدة من مواقف وتطوّرات إقليمية ومحلّية غير مطمئنة على الإطلاق!