الوجود المسيحي في لبنان ليس مسألة عدد أو نسبة، إنما هو أساس الكيان اللبناني. وبالتالي لا معنى لهذا الوطن من دون المسيحيين فيه.
تعالوا نتخيّل لبنان من دون مسيحيّيه؟ فهل كان هو الوطن الذي نعيش فيه اليوم؟ هل كان متميّزاً، كما هو اليوم، عن العالم العربي كله؟ أوَليس أنّ جميع البلدان العربية تطمح لأن تكون مثل لبنان؟
ولا يفوتنا أن نذكر، في هذا السياق، أن الاخوة العرب عندما يعتزّون بشيء يشبّهونه بلبنان… وأنّ اسم شارع الحمراء في بيروت صار مألوفاً في عواصم عربية كثيرة تطلقه على مناطق مميّزة فيها، أو على مطاعم ومحال تجارية بارزة، بل إنّ أسماء الصحف اللبنانية صارت مألوفة على صحف عربية عدّة، وفي القريب العاجل، خلال أسابيع تحديداً، ستصدر في المملكة العربية السعودية صحيفة يومية باسم »الشرق«.
فعندما يُقال إن لبنان متقدّم في محيطه فهذا صحيح. ويعود معظم الفضل فيه الى المسيحيين، خصوصاً الارساليات المسيحية التي عزّزت التعليم والطبابة والاستشفاء، وكان لها دورٌ أساس في دفع لبنان في معارج التقدّم والنماء والتطوّر والتفوّق… وهنا نسجل أن حكاماً وقياديين عرباً كباراً، في معظم أنحاء هذه الأمة قد درسوا في مدارس لبنانية وتخرّجوا من جامعات لبنان، خصوصاً جامعة بيروت الاميركية، أو تتلمذوا على أيدي أساتذة لبنانيين.
وكذلك أصبح لبنان مستشفى العرب، فعندما يمرض مسؤول عربي كبير يقصد مستشفى الجامعة الاميركية أو مستشفى »اوتيل ديو« وأخيراً المركز الاستشفائي الحديث C.M.C (مستشفى كليمنصو) المتعاقد مع JOHN HOPKENS العالمي الشهير خصوصاً في مجال إجراء الجراحات الدقيقة عبر التلفزيون.
لقد حضرتني هذه الخواطر لمناسبة ما تضمنه خطاب الدكتور سمير جعجع في خطابه التاريخي لمناسبة ذكرى شهداء »القوات اللبنانية« يوم أول من أمس السبت، وهو أعطى المسيحيين بعضاً قليلاً من حقوقهم على لبنان.
لذلك، نؤكد على أنّ النوعية أهم من العدد، ونظرية تحالف الأقليات لن تنجح، فالوطن أكبر من الطوائف كلها. وما زلنا نذكر تجربة المسيحيين، ذات مرحلة مؤسفة، بالرهان على الأقلية اليهودية، فسقطت التجربة سقوطاً مدوياً وكان مردودها على المسيحيين أنفسهم مدمّراً.
فالمراهنون، اليوم، على مشروع لتحالف الأقليات المسيحية والشيعية والعلوية لن يحصدوا غير الخيبة، لأن الوطن أكبر وأهم من الطوائف… وآن لنا جميعاً أن نأخذ بهذه الحقيقة الصارخة منذ مطلع الحرب الأهلية حتى اليوم.