ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية إستنهاض لـ14 آذار وتأكيد على المسار والمصير !
جعجع يُصوّب الدور المسيحي في لبنان والشرق.. رافضاً أنظمة تُخالف تعاليم الكنيسة
يُؤكّد على المحكمة ويُسقط هاجس التوطين ويدعو «حزب الله» لقرار جريء أسوة بالقوات
شكل القداس السنوي الذي أحيته «القوات اللبنانية» عن أرواح شهداء المقاومة اللبنانية، محطة في مسار الواقع السياسي والتطورات التي يمر بها كل من لبنان والمنطقة العربية.
ولن تطوى صفحة المناسبة، بعد انتهائها في ظل التداخل الذي رافقها وشكل ايضاً تكاملاً بين مشهدها العام وبين موقف رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الذي عكست كلمته في مضمونها انتعاشاً لقوى 14 آ ذار، وكذلك التأكيد على المضي من اجل تحقيق الأهداف لبناء دولة عادلة حاضنة لجميع أبنائها بعيداً عن الامتيازات الأمنية على حساب القانون والحقوق.
فعلى صعيد المشهد الذي رافق هذه المناسبة تسجل الوقائع التالية ذات الصلة كلياً برمزية وابعاد هذا الاحتفال وفق التالي:
ـ ترأس الذبيحة الالهية البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الذي رافق القوات اللبنانية في مراحل اضطهادها السياسي ـ الأمني زمن الوصاية التي فجرت كنيسة سيدة النجاة واعتقلت الدكتور جعجع يومها، اذ أن ترؤس البطريرك صفير من موقعه الملهم لهذه القوى منذ البيان النداء في ايلول العام 2000 الذي ترجم لاحقاً بلقاء «قرنة شهوان» ثم كان بعدها «عراباً» روحياً لـ«ثورة الأرز» بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وما تبع من جرائم. هذا الترؤس للقداس في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به فريق 14 آذار، من شأنه أن يعطيه دفعاً وزخماً جديدين في مواجهة التحديات الجديدة.
ـ ايكال البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى «النائب البطريركي العام» المطران رولان ابو جودة تمثيل بكركي وتلاوة الرقيم البطريركي الذي جاء فيه: «..كنتم من الاوائل في تكوين المقاومة اللبنانية.. ومعهم في صفها الأمامي في تقديم اول الشهداء على مذبح لبنان..» وتناول الرقيم ايضاً ملف المعتقلين والمفقودين على غرار ما هو موقف القوات اللبنانية من هاتين القضيتين.
ـ مشاركة القاصد الرسولي الفاتيكاني على الخليج العربي، المطران منجد الهاشم في الذبيحة، وهو على صلة وثيقة بحاضرة الفاتيكان والمطلع على مواقفها والرافض لمنطق حماية الاقليات المسيحية من قبل انظمة قمعية على غرار ما كان أعلن منذ نحو اسبوعين، ثم ان مشاركة عدد من المطارنة ورجال الدين من عدة مذاهب اشارة الى مدى العلاقة الوثيقة بين الكنائس التي هم منها ويمثلونها وبينها القوات اللبنانية.
ـ أما لناحية المواقف التي أعلنها الدكتور جعجع في هكذا مناسبة، فكانت بمثابة مؤشر بأن مسيرة حزبه والقوى الحليفة مستمرة من اجل تحقيق الأهداف السامية التي من أجلها سقط الشهداء وبينهم الأحياء الذين كانوا أمام ناظريه.
وبات واضحاً بأن رئيس حزب القوات خارج السلطة وفريقه الحليف، حافظ على وتيرة المواقف الاستراتيجية ذاتها حيال نظرته لكيفية بناء الدولة والحفاظ عليها ولم تكن لديه ردات فعل انفعالية، بل تأكيد منه على أن الوسائل المسلحة التي اوصلت البلاد الى هذا الواقع تتطلب معالجتها جرأة من قبل «حزب الله» وفق سلسلة من المواقف التالية طالت ايضاً عدة ملفات ومواضيع مطروحة:
1ـ الرفض الجازم الذي عبر عنه الدكتور جعجع حيال استمرارية المسيحيين في المنطقة العربية من خلال التسليم بالانظمة القمعية التي يتناقض اداؤها مع جوهر العقيدة المسيحية وتعاليم الأنجيل، خصوصاً أن الرجل قادر بعد سنوات الأعتقال السياسي التي تحرر منها دون تنازلات على حساب قضية الشهداء، ان يعطي مثالاً بأن القمع لا يلغي القناعة والحضور على ما هو حاليا دور القوات في المعادلتين السياسية والشعبية، لاسيما ان قوله «نعرف كيف نتدبر امورنا..» عند الحاجة بهدف الطمأنة.
لا بل أن الدكتور جعجع خاطب مسيحيي الشرق من منطلق التفاعل مع الشرائح الشعبية المحيطة بهم بدلاً من التراجع امام افكار انهزامية وانتهازية، على وقع حدث او تهويل، اذ كما كان المسيحيون رواد النهضة العربية، هم قادرون حالياً ان يكونوا حاضرين فكرياً وسياسياً في ثورات الربيع العربي، كما كانوا في لبنان..
واذا كان رئيس حزب القوات حدد موقفه ونظرته من النظام السوري واعماله من ضمن مسلسل من الاغتيالات، فانه كشف صراحة عن دور سوريا في تفجير كنيسة سيدة النجاة والرئيس رفيق الحريري مضيفاً مقارنة واضحة بأن الدور السوري هو الذي أضعف المسيحيين سياسياً وادارياً، راسماً بذلك خطا بين الهواجس مما قد يؤتى من هذا النظام لاحقاً وبين الحاجة للاستمرارية في ظل تسويق سياسة الذمية داخل الوسط المسيحي.
وكما في المناسبة السابقة التي خاطب فيها الدكتور جعجع «حزب الله» من زاوية تقديره الطائفة الشيعية لخياراتها بانتخاب ممثليها وداعياً اياه للأنخراط في مشروع الدولة كشريك في المجتمع اللبناني، لم يعمد ايضاً هذه المرة وفي ظل الحضور السياسي والشعبي لاستفزاز «حزب الله» بما صدر عن المحكمة حتى حينه من طلب توقيف مسؤولين من صفوفه، بل ان الدكتور جعجع السياسي او المسؤول لم يأت على اي عبارة تحدي في هذا المجال تاركا الامور للعدالة الدولية.
لكن جعجع القائد كان واضحا في دعوته «حزب الله» تحت شعار «حيث تجرؤ» القوات، لتسليم سلاحه اراديا الى الدولة اللبنانية لأن الحماية والقوة لأي مواطن او فئة لأي طائفة انتمت، لا تتأمن الا من خلال الدولة اللبنانية… ومن خلال تفاعلنا الانساني والسياسي والاجتماعي مع بعضنا البعض… بعدما ادى هذا السلاح دوره كاملا حتى العام 2000 … تعالوا الى حيث تجرأنا والى حيث يجب ان يجرؤ الاخرون…
واذا كان الدكتور جعجع من موقعه الوطني شدد على التمسك باتفاق الطائف ومهمة هذه الصيغة الهادفة للمصالحة الوطنية والامن والاستقرار… في حين اصر البعض على ابقاء جرح لبنان نازفا وتوالت الاغتيالات وسقوط الشهداء… فإنه في الوقت ذاته كان لديه موقف ضروري من موقعه المسيحي عندما عبر عن رفضه التعديات التي تطال ابناء هذه الطائفة واملاك الكنيسة في عدة مناطق مثل لاسا والزعيترية والرويسات حيث ان منطق التفرقة سائد بين ابناء هذه المناطق وبين مواطني «حزب الله» الذين يمارسون الضغوطات والتجاوزات في عدة اساليب ومطالب الدولة بتحقيق المساواة من زاوية قمعها مخالفات البناء الفاضحة في غير مناطق على غرار ما تطبق على مناطق مسيحية ستبقى متمسكة بالقانون والدولة.
ولم يقفل رئىس حزب القوات الموضوع الفلسطيني والهواجس المحيطة بمصير اللاجئىن في لبنان، فأثنى على خطوة اعلان الدولة الفلسطينية رغم اعتراضات دول تصنف حليفة او داعمة لقوى 14 آذار انطلاقا من قناعة برفض التوطين الذي واجهته القوات والمقاومة المسيحية منذ نشأتهما بعد ان بات هذا الملف يشكل ورقة للتهويل بها للحفاظ على السلاح كما جاء في مواقف البطريرك الراعي وسائر القوى المنضوية في تحالف 8 آذار.
واذ لم يدخل الدكتور جعجع في دهاليز قانون الانتخابات الذي كان محور اللقاء الماروني الموسع في بكركي قبل يوم واحد من القداس، فلأن رئىس حزب القوات قد يكون اراد الحفاظ على ميثاق التفاهم المسيحي حول هذا الموضوع رغم رؤية القوات الواضحة للقانون الذي تفضله، ام ربما لأن المنطلق الاستراتيجي للدكتور جعجع الذي تناول من خلاله المواضيع ذات الصلة بالحضور والدور المسيحيين وضرورة قيام الدولة هو المنطلق الذي لم يدفعه الى التطرق الى هذا الموضوع ما دام ان منطق الدولة لم يستوِ بعد ويبقى السلاح في الداخل قادراً على إلغاء الديموقراطية ونتائجها، كما حصل ابان تشكيل الحكومة السابقة وكيفية اسقاطها وتأليف الحالية، ولذلك فإن اي قانون لن يعطي النتائج المرجوة اذا ما تمت ولادته في ظل السلاح الذي لن يراعي نتائجه.