انتقل المسيحيّون في الجبل اللبنانيّ خصوصاً وبلاد الشام عموماً من "ملّة" أو "مجموع ملل" في القرن التاسع عشر إلى "طائفة" أو "مجموع طوائف" في القرن العشرين. السؤال الذي يطرح نفسه إذاً، قبل الربيع العربيّ بالدرجة الأولى، وبمناسبة الربيع العربيّ أيضاً وأيضاً: ماذا عن القرن الحادي والعشرين؟ هل سيشهد تحوّلاً لمفهوم الجماعة المسيحية المشرقية بما يتجاوز نموذجي "الملّة" و"الطائفة" إلى نموذج جديد، أو أنّ التحيّر بين "إحياء" مفقودة شروطه لنموذج "الملّة" وبين "المحافظة" غير المضمونة على نموذج "الطائفة" سوف يبقى سيّد الموقف؟
نموذج "الطائفة" يختلف إلى حد كبير عن نموذج "الملّة". صحيح انّ نظام الطوائف الدينية السياسية انبثق عن نظام الملل العثمانيّة لكن صحيح أيضاً أنّ ثمة إنقطاعاً تاريخيّاً جذريّاً بين النموذجين. فالملّة إدارة ذاتية غير جغرافيّة، تسيّر شؤون رعيّتها في ظلّ الرعاية السلطانية لها، وتشمل هذه الإدارة الذاتية كلّ الحيّز القضائيّ، من الأحوال الشخصية إلى العقود والمعاملات والقانون الجنائيّ، بالإضافة إلى اقتطاع ضريبيّ داخليّ. والملّة جزء من نظام تراتبيّ إمتيازيّ يتدرّج بين الملل، وهو نظام بقيَ يتطوّر حتى آخر أيّام السلطنة العثمانية، لأنّ الأخيرة امتلكت القدرة على تفريع المزيد من الملل إذا ما دعت الحاجة، واعتقد مثلاً أنّه بتفريع "ملّة" و"مجلس ملّة" لدى البلغار، ودعم تشكيل كنيسة قومية بلغارية مستقلة عن الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية يمكنها أن تمنع إتساع عدوى الإستقلال اليونانيّ، لكن ما حدث كان العكس تماماً: فمع كل تفريع لملّة إضافية في البلقان كانت حركة قومية إنفصالية جديدة تولد ولا تلبث أن تحقّق مرادها.
ومع أنّ نظام الملل تطوّر من قرن عثمانيّ إلى آخر، إلا أنّ القرن التاسع عشر كان قرن النظام الملّي بإمتياز، حيث انتشرت تجارب "مجلس الملّة" في كثير من الملل، وبهذا المجلس لم تعد المرجعية الدينية وحدها صاحبة الإحتكار التسييريّ التمثيليّ للملّة، بل ذهب الأمر شراكة بين ممثلي الإكليروس والعلمانيين، بالشكل الذي جعل تجربة "مجلس الملّة" معبراً لتحوّل جماعات دينيّة إلى جماعات قوميّة، ومن ثم إلى دول قومية قائمة بذاتها.
بخلاف ذلك تماماً، نشأ نموذج "الطائفة". الطائفة أبقت للجماعة الدينية حيّز الأحوال الشخصيّة وحيّز التربية والتعليم. سحبت منها العقود التجارية والمعاملات والقانون الجنائيّ والإقتطاع الضريبيّ الداخليّ. وبعكس نظام الملل الذي يقوم على التراتبية في ما بينها، فإنّ نظام الطوائف يقوم على المساواة الشكلية الكاملة بين الطوائف مأخوذة كشخصيات معنويّة. وإذا كان نظام الملل بلغ الذروة عندما تطوّرت تجارب "مجالس الملل" فإنّ الطوائف اتخذت مسارات مختلفة، حيث برزت فضاءات متنوّعة من الأخذ والرّد بين المرجعيات الكنسيّة وبين المرجعيّات السياسيّة، وفي حال الطوائف المسيحيّة لم تكن اللحظات التي تذكّر بتجارب "مجالس الملّة" إلا لحظات استثنائية وليس مؤسسات قائمة بذاتها. طبعاً، الحالة تختلف لبنانياً، حين يتعلّق الأمر بمسارات "تطييف" المذاهب الإسلامية، ولا سيّما ما جرى أواخر الستينات من تحويل المذهب الجعفريّ من مذهب فقهيّ إلى "طائفة ملّية" تكمل العقد الطوائفيّ اللبنانيّ إنّما على قاعدة إحياء تقليد "مجلس الملّة" من خلال تشكيل "المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى". (ألا يذكرنا اجتماع بكركي الأخير بمجلس الملة وتحديداً المجلس الشيعي؟).
ورغم الإختلاف الكبير في كامل السياق الدستوريّ والقانونيّ بين الدولتين السورية واللبنانية، إلا أنّ نموذج "الطائفة" في إختلافه عن نموذج "الملّة" استمرّ يحكم شكل الوجود المسيحيّ في كلا البلدين. أمّا الفارق فيبدأ من أنّ هذا النموذج هو معيار التمثيل البرلمانيّ والحكوميّ والتحاصص الوظائفيّ في لبنان، في حين أنّ الوضع في سوريا انتقل رأساً من نموذج "دويلات إدارية" مقسّمة بشكل طائفيّ جغرافيّ نافر (دول الدروز والعلويين وحلب ودمشق في العشرينات من القرن الماضي) إلى تحويل أي كلام في الطوائف ونسب تمثيلها أو مشاركتها إلى كلام محظور من وجهة النظر "الوطنيّة"، ما سهّل عملياً قيام الحكم الفئويّ الشموليّ وليس النظام الديموقراطيّ التعدّدي.
وما يحصل عملياً اليوم أنّ بعض الذين استشفوا أزمة فكرة "الطائفة" كحال سياسية اجتماعية ثقافية للتعبير عن الجماعة أو الجماعات المسيحية أو تجسيدها، لم يجدوا ضالتهم إلا في محاولة إحياء نظام الملل، إنّما ويا للمفارقة، تجري هذه المحاولة الإحيائية لنظام مرتبط بالتاريخ العثماني للمنطقة، من خلال الإنضواء في إطار أحلام إحياء الإمبراطورية الصفوية.. لا العثمانية، بل أكثر من ذلك من خلال بثّ الذعر من إحياء محتمل للسلطنة العثمانية (أحد الذين يصفون نفسهم بخبراء الشأن التركيّ بين جند الممانعة لم يتردّد في وصف لحظة زيارة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى مقرّ الجامعة العربية بأنّها لحظة تحالف سنيّ سنيّ، ليت أحد يزوّد هذا الجاهل بموجز عن التاريخ العثمانيّ).
طبعاً، ليس "الحلّ" أبداً هو تمييع مسألة الوجود المسيحيّ والقول بأنّ على الجماعات أن تقلع عن النظر إلى نفسها كجماعات، ويصار بدلاً من ذلك إلى إحصاء النفر فرداً فرداً. إلا أنّ الحل "الربيعي" يبدأ في المقابل من التنبه إلى أنّ للملّة تاريخاً، وللطائفة تاريخاً. الملة من تاريخ القرن التاسع عشر. الطائفة من تاريخ القرن العشرين. والتاريخ لا يتوقّف، وعلى الوجود المسيحيّ، على الجماعات المسيحية، أن تباشر رأساً طرح السؤال عن الشكل الأنسب لوجودها كجماعة، في "ما بعد الملّة والطائفة"، وفي "ماوراء الأوهام" حول إحياء الملّة أو ترميم وجود الطائفة.
لقد كانت "الملة" بنتاً للقرن التاسع عشر، كما كانت "الطائفة" بنتاً للقرن العشرين، ونحن اليوم في قرن جديد، والضغوط تكثر من كل حدب وصوب لاستفسار المسيحية الشرقية عن الشكل الجديد لجماعاتها، أو لها ككل مأخوذة كجماعة مسيحية شرقية شاملة. السؤال سيبقى مفتوحاً لسنوات في هذا الخصوص: ما العمل؟ حتى الآن ليس هناك ولو حدّ أدنى من الإجابة. كل ما هناك هو ملاحظة أساسية أولى: "تحالف الأقليات" فكرة عقيمة تمنعنا من طرح مسألة الجماعات المسيحية، وبالذات لأنها تقيم الخلط بين الأقليات المسيحية وبين الأقليات غير المسيحية، بدلاً من فضاء مشترك بين القبط والروم والموارنة والأرمن والسريان والكلدان والأشوريين واللاتين والإنجيليين لطرح ما به تكون المسألة أولاً وأخيراً، مسألة الوجود المسيحيّ في الشرق، وعلاقتها بمستقبل المسيحية ككل في هذا القرن الحادي والعشرين.
إنّ الشكل الضروريّ الجديد للوجود المسيحيّ في الشرق مسكونياً يكون أو لا يكون.