يعترف أعضاء الوفد الرسميّ الذين رافقوا رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان الى نيويورك والمراقبون الذين واكبوا كلّ ما جرى هناك انّ المهمة التي قام بها لم تكن عاديّة أو سهلة، لا في الشكل ولا في المضمون. فلبنان الذي يرأس للمرّة الثانية بفضل المداورة الشهريّة اجتماعات مجلس الأمن الدولي يخوض رئيسه وحكومته وشعبه امتحانات صعبة امام المجتمع الدولي تواكب سلسلة الاستحقاقات الكبرى ذات الصلة بين الطرفين.
ما يطلبه المجتمع الدولي
وقبل الدخول في جدول المقارنة الطويل بين ما يريده لبنان من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وما يريده هذا المجتمع من لبنان، لا بدّ من الإشارة الى سلسلة القرارات التي تتحكّم بالعلاقة بين الطرفين ومنها على سبيل المثال لا الحصر، استكمال تنفيذ القرارات الدولية العالقة على خطّ التوتّر العالي بينهما منذ ان وضِع لبنان تحت المجهر الدوليّ، فكان له مكتب لممثل مقيم في لبنان يحصي رئيسه مايكل وليامز يوميّا وصبح مساء أنفاس المسؤولين ويطاردهم من موقع الى آخر حتى في اللحظات الأخيرة وهو يحزم حقائبه مغادرا إلى بلاده. ولا تُنسى ايضا الإشارة الى عدد من مستشاري الأمين العام المكلّفين تنفيذ القرارات الدولية والذين يتابعون بلا ملل تنفيذ قرارات مجلس الأمن من القرار 1559 الذي ما زال قيد المتابعة على يد ناظره تيري رود لارسين – الذائع الصيت في لبنان والمنطقة – منذ 2 أيلول 2004 حتى اليوم، والقرار 1701 منذ صدوره في 12 آب 2006 الذي يشرف على تنفيذه وليامز شخصيّا، وصولا الى القرار 1757 الخاص بتشكيل المحكمة الخاصة بلبنان لمقاضاة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الثلاث التي ألحقت بالجريمة الكبرى بعد ثبوت الترابط بينها.
ولا يجوز والحال هذه، نسيان تداعيات الملفّات الإقليمية والدولية الأخرى التي تلقي بظلالها على لبنان وعلاقاته بالمجتمع الدولي منذ أن بات عضوا في مجلس الأمن يخالف الإجماع الدوليّ، ينأى بنفسه أحيانا عن الهموم حتى الإنسانية منها، ويمتنع عن التصويت أحيانا أخرى على رغم الإجماع الدولي، ويغضب الجميع دوما وفي شكل مستمرّ، خصوصا عندما يتّصل الأمر بالملفّ النوويّ الإيراني والعقوبات التي فرضت على إيران، والوضع في سوريا بما له من تداعيات دوليّة وإقليمية وآخرها ملفّ طلب السلطة الفلسطينية الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضويّة في الأمم المتّحدة.
… وما يطلبه لبنان
وفي مقابل ما يطلبه المجتمع الدولي منه فإنّ لبنان ما زال يطالبه بكثير، من استكمال العمل لتكريس وقف نار شامل بموجب القرار 1701 الذي لم يقل الى اليوم بغير "وقف الأعمال الحربيّة" بين البلدين، ووقف كلّ أشكال الخروقات الجوّية والبرّية وصولا الى ترسيم الحدود البرّية والبحريّة بعد ثبوت وضع إسرائيل يدها على مساحات شاسعة من المنطقة الاقتصادية الخالصة، الى استعادة السيطرة اللبنانية على مزارع شبعا وتلالها وتلال كفرشوبا و"الغجر" اللبنانية، وإلى ما هنالك من إقرار للتعويضات التي يطالب بها لبنان جرّاء حرب تمّوز 2006 وما ألحقته من آثار بيئية.
ما بين الـ"نعم" والـ"لا"
وفي الوقت الذي ما زال لبنان يتردّد مترجّحا بين الـ"نعم" والـ"لا" عن الإيفاء بالتزاماته الدوليّة في صراحة ووضوح تجاه المحكمة والقرارات الدولية الأخرى، عاد سليمان الى نيويورك على وقع كَمّ من الهواجس التي يحملها وتختصر معاناة اللبنانيّين من تردّدات تلك الملفّات.
…وعاد سليمان من نيويورك مرتاحا، الى حدّ ما، الى نتائج الجهود التي بذلت على أكثر من مستوى، ولا سيّما منها ما يتّصل بالقضايا التي تعني اللبنانيّين عموما والقضية الفلسطينية خصوصا. ولفتته ردّة الفعل الإسرائيلية "الهستيريّة" تجاه الموقف اللبناني الذي عبّرت عنه كلمة لبنان في الأمم المتّحدة لما حوته من توصيف صادق للوضع في لبنان والمنطقة، وما أشارت اليه في وضوح الى العدوانيّة الإسرائيلية برّا وبحرا وجوّا في السياسة والأمن، ومدى التزامها القرارات الدوليّة كما في الاقتصاد والثروة البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، والتعويضات التي يطالب بها لبنان من جرّاء تلوّث المياه اٌلإقليميّة اللبنانية منذ تمّوز وآب 2006.
وبدا أيضا أنّ سليمان كان مرتاحا لكلمة الرئيس الفلسطينيّ لما أثارته من ردّات فعل إيجابية عبّر خلالها ممثّلو دول العالم عن تعاطفهم تصفيقا وتصريحات تضامُناً مع الشعب الفلسطيني كما الشعب اللبناني وضحايا العدوانية الإسرائيليّة في غزّة ولبنان. ولذلك فهو يترقّب ما سيكون عليه الموقف في جلسة مجلس الأمن التي ستعقد في الساعات القليلة المقبلة للبتّ بالطلب الفلسطيني.
وفي سلسلة اللقاءات التي أجراها تمكّن سليمان من إبلاغ رئيس الجمهورية القبرصية والرئيس التركي ورئيس حكومتها بعد الأمين العام للأمم المتّحدة موقفا لبنانيّا جامعا وصلبا برفضه أيّ اعتداء على حقوق لبنان في المنطقة الاقتصادية الخالصة وحقّه بآخر نقطة مياه كما بكلّ حبّة تراب لبنانية، وإنّه لن يوفّر وسيلة دولية معترف بها لتأكيد حقّه بالثروة النفطية في مياهه ومنع أيّ كان من وضع اليد عليها.
وعن الموقف من المحكمة أكّد سليمان، ومن موقعه رئيسا لمجلس الأمن، التزامات لبنان تجاهها وكلّ القرارات الدوليّة محمّلا المجتمع الدوليّ مسؤولية متابعة قراراته وإلزام إسرائيل بها. ذلك أنّ أيّ تقصير لبنانيّ إذا وُجد في مكان ما لا يُقاس بخروج إسرائيل العلني عن التزاماتها الدولية وتحدّيها المستمرّ للشرعية الدولية وكأنّها فوق كلّ أشكال المحاسبة.
هل سيفي لبنان بالتزاماته؟
إنّ ما تحقّق في أسبوع لبنان في نيويورك لم ينتهِ بعد، فوجود رئيس الحكومة نجيب ميقاتي هناك لايعتبر سوى استكمال لما قام به سليمان، وإنّ كلّ ما زرعه لبنان في مجلس الأمن سيبدأ حصاده بعد عودة ميقاتي من هناك لتبدأ مرحلة استيفاء الحسابات النهائيّة.
والسؤال المطروح في هذا الصدد: هل سيكون لبنان على قدر المسؤوليّة؟. وهل سيفي بالتزاماته تجاه المحكمة والقوّات الدولية وغيرها من الملفّات الكبرى؟ أم أنّه سيجني المزيد من الخسائر؟ فالمجتمع الدولي لن يرحم هذه المرّة، وما شهده لقاء سليمان والأمين العام للأمم المتّحدة يدلّ إلى أنّ لبنان ما زال تحت المجهر وأنّ دفتر الحساب مازال مفتوحا.