في وزارة هي الأهمّ في لبنان، كونها تُعنى بتربية الأجيال الطالعة، التي من شأنها أن ترسم مستقبل هذا البلد، تتّجه الأمور إلى أن تكون وزارة التربية والتعليم العالي فرعا حزبيّا أو عائليّا، لتحيد عن المسار الذي رسمه من سبق وزيرها الحالي حسّان دياب من أجل النهوض بالقطاع التربويّ واللحاق بركب الدول المتقدّمة.
وما ظهر منذ تسلّم الوزير الجديد مهمّاته، أنّ شيئاً من "إكمال المسيرة" لم يحصل، بل على العكس، بدأت الكيديّة المتستّرة خلف "الوعود" تتفاعل شيئاً فشيئا، والأنكى أنّ الوزير يقف متفرّجا أمام ما يحصل في وزارته، تاركا للمستشارين أن يصولوا ويجولوا حسب ما يطيب لهم، من دون الأخذ في الاعتبار أيّاً من القوانين التي تحكم "العمل العام" في أيّ قطاع كان، فكيف إذا كان هذا الخرق يحصل في وزارة التربية؟
وكشفت مصادر مُطّلعة على ما يجري في مبنى الأونيسكو لـ"الجمهورية" عن "خَرق واضح وتحايل على القانون مارسه مستشارون للوزير، ففي الأسبوع المنصرم، وبما أنّ الوزير والمدير العام للوزارة فادي يرق كانا خارج البلاد، تسارعت وتيرة مناقلات الأساتذة، وتكفّل بهذا الأمر بعض المستشارين مستغلّين غياب المعنيّين ليُمرّروا لوائح المناقلات التي لا تخضع لأيّ معيار تربويّ، بل للمحسوبيّات السياسيّة".
وتقول المصادر إنّ "هذه المناقلات، والتي يجب أن تتمّ عادة بحسب حاجة كلّ مدرسة إلى المدرّسين، أتت عشوائيّة لا تراعي الحدّ الأدنى من درس الحاجات والشواغر في المدارس والثانويّات الرسميّة، إذ تغلّب عليها مناقلات من مدارس في مناطق نائية وليس فيها العدد الكافي من الأساتذة إلى مناطق مكتظّة ومدارس لديها فائض من الأساتذة".
وحصلت "الجمهورية" على لوائح المناقلات التي تمّت أخيرا، وتبيّن من خلالها أنّ غالبيّة هذه المناقلات كانت من أماكن نائية وريفيّة إلى المدن، وبمراجعة بعض المعنيّين في الملفّ التربويّ، تأكّد أن ليس هناك في هذه المناقلات أيّ نوع من أنواع الحرص على التوازن بين المدارس من حيث عدد المدرّسين، بطريقة ستؤدّي إلى خلَل واضح في بعض المدارس نتيجة غياب المدرّسين وقلّتهم.
واعتبر هؤلاء التربويّون أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه، سيؤدّي حتماً إلى قيام الوزارة بتعاقدات جديدة في المناطق التي هي بحاجة إلى أساتذة، وليس إلى إعادة توزيع عادلة لهؤلاء الأساتذة، وبالتالي تكون الخدمات "السياسيّة" قد دخلت من الباب العريض إلى الصرح التربويّ، بحيث إنّ المناقلات هي الجزء الأوّل من هذه الخدمات، والتعاقدات هي المرحلة الثانية".
وعلمت "الجمهورية" أنّ هذه المناقلات وقّعها مدير التعليم الثانوي محي الدين كشلي السبت الماضي، كونه يحلّ مكان المدير العام في حال غياب الأخير (مدير عام بالإنابة)، ولكن ليس هذا بيت القصيد، إذ إنّ الوزير والمدير العام عادا إلى بيروت السبت، ومع هذا لم يتمّ إطلاع المدير العام على هذه المناقلات كونه المخوّل الموافقة عليها أم لا.
وأكثر من ذلك، فإنّ دياب وقّع مرسوم المناقلات الثلثاء في 20 الشهر الجاري، من دون أن يمرّ عبر المدير العام الأصيل الذي عاد إلى ممارسة مهمّاته الإثنين في 19 الجاري، وهذا الأمر أتى بحسب ما تقول أوساط الوزارة، لعلم الوزير وبعض مستشاريه أنّ المدير العام لن يوافق على هذه المناقلات كونها لا تخضع للمعايير التربوية الصحيحة.
إذاً، مناقلات من دون درس، و"تنفيعات" سياسيّة، بدأت تحكم وتتحكّم بوزارة التربية، وخرق القانون أصبح مُشرّعاً أمام المعنيّين، إذ إنّ قريباً لأحد المستشارين، نُقل منذ فترة من المنطقة التربويّة في النبطية إلى دائرة التعليم الابتدائي في وزارة التربية من دون الأخذ برأي مجلس الخدمة المدنية، ليتبيّن أنّ المنقول صاحب "ملفّ أسود"، وبالتالي مجلس الخدمة لن يوافق على نقله، وتمّ تمرير نقله من دون العودة إلى القانون الذي يُحتّم إطلاع مجلس الخدمة المدنيّة على كلّ قرار يجب اتّخاذه لا سيّما من حيث نقل التربويّين من المناطق التربويّة إلى الوزارة. كذلك تمّ نقل قريبة لأحد المستشارين، ولكن مع فارق بسيط، أنّ ملفّها خالٍ من الشوائب، فنقلت إلى التعليم الثانوي في الوزارة، ومن دون العودة إلى مجلس الخدمة المدنية.
مناقلات خدماتيّة، وعدم مراعاة الحاجة والفائض، وضرب المدرسة الرسميّة، ومحاولة تخطّي دور المدير العام وإلغائه، ومجلس الخدمة المدنيّة بالنسبة الى الوزير ومستشاريه غير موجود، وخرق القانون على قدم وساق، والتربية هي في آخر الاهتمامات لديهم.
إنّه غيض من فيض سلوكيّات غريبة على وزارة التربية، فهل من يرى أو يُحاسب؟