كتبت صحيفة "المستقبل":
حلف الأقليّات" سحر أسود. في اليومين الماضيين تعاقب سمير جعجع وفؤاد السنيورة على تفكيك مفاعيل هذا السحر الأسود. الأوّل أظهر مسيحيي لبنان والشرق على حقيقتهم: صنّاع حضارة وطلائع حداثة وأركان تحرّر لا كائنات أحفوريّة في متاحف الطغاة. الثاني أظهر مسلمي لبنان والشرق على حقيقتهم: تسامح واعتدال وظمأ للحرّية ولإعادة الوصل مع الفترة الذهبية للحضارة العربية، وليس أكلة لحم بشر. المسيحيّون والمسلمون سواء بسواء كانوا ضحايا الإستبداد وطبائعه وجرائمه وهدره للطاقات والثروات والأجيال. الإستبداد كان السبب الرئيسيّ للتهجير القسريّ الذي حلّ بأعداد طائلة من المسيحيين بشكل رئيسيّ. وحدها الديموقراطية التي يبنيها المسلمون والمسيحيون سوية، في كل بلد عربي وعلى إمتداد العالم العربيّ، يمكنها أن تحلّ بشكل جذريّ مشكلة مسيحيي الشرق، وأن توقف بشكل نهائي نزيفهم الديموغرافيّ من المنطقة.
ما سمعناه من الرئيس السنيورة بالأمس كان كلاماً سياسياً بإمتياز لأنه كلام برنامجيّ بإمتياز. لكنه كان أيضاً كلاماً بخلفية ثقافية بامتياز ، خلفية لا تفهم إلا باسترجاع الصفحات المشرقة لمفكري وأدباء عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر: يومها أيضاً قال أمثالُ بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وناصيف اليازجي وشبلي الشميّل وجرجي زيدان أنّه ملعون "حلف الأقليّات" الذي سيفصلنا عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
إنّما المعركة بين التنوير وأعدائه، وبين الربيع وأعدائه، والأحرار سواء جاءوا من أكثريات أو من أقليّات متحرّرين من طاغوت العدد، ولا يميّزون أبداً بين أعدائهم الظلاميين سواء جاءوا بدورهم من أكثريّات أو أقليّات.