هو مسّ من جنون. الاول حين دخل البطريرك صفير ساحة قداس الشهداء، والثاني المختلف تماماً، هو ما أصاب اعلام "8 آذار" على اثر انتهاء قداس الشهداء…
في الجنون الاول، هو جنون المحبّة والامتنان والشوق، لوجه أبيض مشعّ بالكرامة وبالحقيقة التي لا تساوم، لا تهادن، ولا تزورب في دهاليز السياسة والسياسيين. الحقيقة وكفى. هو جنون الامل برجل صار أيقونة بكركي والبطاركة الموارنة. هو الامل حين تعصف بنا رياح الايام "البائسة" من كل الجنبات، فلا نجد جنباً نرتاح اليه الا جانبه، جانب الرجل التاريخي الذي لا يتكرر. جانب الأب الذي تعصف به أيضا الايام البائسة ما غيرها، لكنه يحوّل البؤس الى رجاء، والخوف الى صلاة، والتردد الى شجاعة. هكذا عصف بنا البطريرك صفير حين مشى متواضعاً منحنياً ببسمة خجولة، كبيراً بعظمة القلب ولبنان والمكانة التي يحملها، فجنّ فينا الدمع. بكينا بكل فخر ورجولة وانوثة وتعب وزعل وسعادة وكبرياء، عندما شعرنا به انه ما زال معنا. انه لنا كلّنا حتى من لا يعجبهم، شعرنا ان الله لم يتركنا وحدنا، وجعل لنا من بين الرجال على الارض، رسولاً ليذكّرنا دائماً، ان الخير موجود ولبنان سيبقى.
اما في الجنون الثاني، المناقض تماماً للاول. فما ان أنهى سمير جعجع القاء كلمته المدوّية، حتى دوّى الحقد على صفحات ومواقع وشاشات الفريق الآخر. لماذا؟ ماذا جرى؟ كيف انطلقت "الجوقة" متزامنة متكافلة متضامنة؟ من أساء اليهم أساساً؟ من توجّه اليهم بكلمة حاقدة أو نابية أو خارجة عن الاداب السياسية والاخلاق العامة؟!
غريب كيف ان ما ان انتهت المناسبة، وختم جعجع بآخر الكلمات عن لبنان، حتى تتطاير الشرر يميناً وشمالاً، واجتاحت موجات تسونامي غير اعتيادية من مخزون الحقد والغضب، لتحرق أعصاب وحناجر وأقلام "8 آذار"، فتلونّت أوراقهم بالاصفر المريض حينا، وبالاسود الكالح أحيانا!!
كل ذلك لان المناسبة نجحت بشكل غير اعتيادي؟ نعتذر. لم نكن لنعرف ان نجاحنا سيقضّ مضاجع كثر، وان كلمات الحق عندما تدوّي، تذبح من الوريد الى الوريد من لم يعتد النطق به، اي الحق. نعتذر لان لبنان الجريح المستسلم المهادن، تحوّل في قداس الشهداء، الى لبنان المناضل المقاوم لكل أنواع الاحتلال والتبعية والذمية والخوف، والمنفتح على كل مبادرات الكرامة والسلام.
طبعا الاختلاف حقّ، ومن حق من يشاء أن يعبّر عن ذلك، لكن اللافت ان وحتى الساعة، لم يتوجّه أحد من تلك الاقلام مثلاً، أو من سياسيي فريق "8 آذار"، بمناظرة أو مقارعة أو مناقشة سياسية فعلية لمضمون الخطاب، انما اكتفوا بهجوم مبرمج بالالفاظ النابية والاساءة الشخصية. قدح وذم وتشويه للحقائق، واستنباط لشخصيات من "التاريخ" المجيد الممهور بامضاء الاحتلال السوري، اميل اميل لحود ميشال سماحة… وما شابه… واللجوء عند الحشرة الى صفحات من التاريخ المؤرّخ بحسب أهواء وميول تلك الاقلام والشاشات والمواقع.
عن جدّ أمر غريب بقدر ما هو مؤسف. لكن لا يهم. نحن قلنا كلمتنا. وان اعجبهم ام لا "حيث لا يجرؤ الاخرون"، وبامكان الاخرين قول وكتابة ما يريدون، فكل اناء يشبه ما ينضح منه. نحن نشبه لبنان البطرك صفير، لبنان نقي، جبل، حر، أخضر وعاصف بتاريخ الابطال. هم يشبهون حالهم، وما ارادوا ان تكون عليه حالهم منذ الاحتلال السوري، اي ما لا يقل عن 35 عاما. هذا شأنهم.
الدكتور جعجع قال كل ذلك، وبالدمع والعنفوان وقفنا وصفّقنا لحضرة البطريرك، ولحضور روح من المسيح على الارض، وهذا يكفينا.