#adsense

“الحكيم” يُزهر في ربيع “القوات”

حجم الخط

كعادته، لم يمر المهرجان الذي أقامه حزب "القوات اللبنانية" من دون صخب، فقد سبقه ورافقه واستمر إلى ما بعد حدوثه بسبب المواقف التي أعلنها رئيسه سمير جعجع، وكأنما صار من المتعارف عليه أن يكون هذا المهرجان مفصلياً في الموقف وفي ردود الفعل عليه.

قبل ساعات من إقامة المهرجان في ملعب فؤاد شهاب في جونية، أمطرت السماء كثيراً، أو "دلفت مزاريب" المياه، كأنما المطر لن يتوقف، وظن المنظمون الجالسون تحت أقدام جبل حريصا وسيدته أنهم لن يستطيعوا الاستمرار بالمهرجان السنوي لشهداء "القوات". ولكن قبل ساعة من الموعد تغير جو السماء وعادت الشمس إلى الظهور بشكل أعاد الزخم إلى الشبان المكلفين ترتيبات المهرجان وايصال الناس إلى أمكنتهم، وأعاد لهم الفرصة ليثبتوا لأنفسهم ولرفاقهم، أن هذا الموعد لن يغير في انطلاقه شيء حتى التبدلات المناخية.

صخب المطر النهاري رافقه أيضاً صخب الجمهور الكبير الذي رفع أعلام لبنان ورايات حزبه ورقص بها، وكذلك رافقه التصفيق لفترة طويلة حين حكى الكاردينال نصرالله بطرس صفير جملته القصيرة عن المرحلة البائسة التي تمر على لبنان، وبعده الاندماج بين الجمهور وقائده خلال كلمته وبعدها.

انتهى المهرجان وقداسه عند الثامنة والنصف مساء السبت، ولكن الردود عليه لم تنته بين المؤيدين لقوى 14 آذار او بين أخصامهم من قوى 8 آذار. تقدم جعجع بين الناس، كإنسان يعرف قيمة كل مواطن أتى للمشاركة في باحة الملعب، أو كل لبناني بقي في منزله ينتظر أن يعطى في هذه اللحظة بعضاً من مواقف تعنيه بالدرجة الأولى وتمثله وتؤكد ضمانة 14 آذار ان يبقى لبنان ضمانة لكل من يطلب الحرية في العالم العربي، بعيداً من الخوف الذي رمي بين الناس من ثورة الشعوب العربية على حكام ظلموهم لأكثر من أربعين عاماً.

دخل جعجع بين جمهوره، يعرف أن الكل موجودون من أجل وطنهم، يمد يديه إليهم، لا وقت للاستراحة، والناس هنا تعلموا من خلال تاريخهم أن وطنهم الحر أهم من كل الخوف والوصايات والاحتلالات، عمرهم على هذه الأرض آلاف السنين، ومع ناسها بقوا شركاء.

لم يكن غريباً صخب الناس وصوت فرحهم هناك في الملعب الكبير المحتضن من الجبل الأخضر، وكذلك لم تكن غريبة ردود الفعل التي هاجمت المواقف العقلانية التي أطلقها "الحكيم" ودعا فيها "حزب الله" إلى نقاش جدي حول سلاحه ليكون جزءاً من لبنان وناسه وليس مناصراً لديكتاتوريات تقتل العائلات والأطفال وتمنعهم من العيش الكريم.

فالخطاب الهادئ والواضح الذي سمّى المشكلة باسمها الحقيقي، أشعل المواقف المعادية، كأن فرقة من المطبلين جاءها قرار الهجوم، فردت من دون أن تقوم حتى بقراءة هادئة للخطاب. ردوداً لم توفق في نقد الخطاب أو ملاقاته في منتصف الطريق من دون اسقاطات تحرك بعض الأصوات كدمى لم تجد لها مسرحاً.

غريب كان ذلك النهار، فالناس أتوا مع أولادهم وأطفالهم الصغار، ساروا على الطرق، وغنوا ورفعوا أعلامهم، مشوا صوب الملعب، نسقوا دخولهم مع الشبان الذين أخذوا على عاتقهم مهمة التنظيم. تعب المنظمون كثيراً ليصل الجميع في الوقت المناسب إلى كراسيهم بعدما نظفوها من مياه الشتاء. الكل وقف هناك مستعداً قبل القداس، غنوا ورفعوا صوتهم عالياً أكثر، صفقوا لـ "الحكيم" حين دخل من بينهم، وحين اقترب من الكاردينال صفير، وحين بكى بعدما تكلم "قديسهم" جملته القصيرة التي قال فيها الكثير.

كان لبنان حلمهم حاضراً من شماله إلى جنوبه، متعدداً بناسه، مختلفاً بانتماءاته، صامداً بموقفه الداعم لحرية الناس في العالم العربي. أن يكونوا مع الربيع العربي يعني أن يكونوا مع ربيع بيروت والشهداء رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي، ويعني ذلك أن يناصروا المطالبين بالحرية كما ناصرهم جبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم ووسام عيد.

لم ينس "الحكيم" أن يحيّي موقف الشعب الفلسطيني المطالب بأرضه، فأيلول الفلسطيني كان حاضراً هناك، وإعلان دولة فلسطين في الأمم المتحدة هو بداية الطريق الفعلي لحل هذه المشكلة التاريخية التي يعانيها الفلسطينيون بسبب الإحتلال الإسرائيلي. في خطابه أكد سمير جعجع كما كل مرة حكى فيها موقفه أن لبنان لن يكون بعيداً عن ناس العالم العربي او مختلفاً عنهم وخصوصاً في ظل انتفاضات الشباب وثوراتهم، وبعض الخوف من هذه الثورات لن ينتقل إلى الناس وخصوصاً المسيحيين، لأنهم يدركون أنهم صنعوا تاريخهم بالشراكة مع ابناء الديانات الأخرى، وصنعوا ثورتهم الأنصع في تاريخهم قبل ست سنوات في ساحة الشهداء مع ابناء وطنهم من دون السؤال عن هوية دينية أو مذهبية.

في خطاب مهرجان "القوات" كان كلام جعجع جرعة أمل للبنانيين، هناك من يطرح حلاً للمشكلة الأكبر في حاضرهم اي سلاح "حزب الله"، ويمد يده لحوار داخلي حقيقي. هذا الخطاب لم يكن موجهاً الى جمهور "القوات" فقط أو المسيحيين خصوصاً، بل كان جزءاً من 14 آذار وموجهاً إلى كل لبناني مؤمن بهذه الأرض.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل