يعيش لبنان اليوم، كما في السابق، أزمة أقليات، وأزمة أكثريات، وأزمة عدد، وأزمة نُسَب…
وما حديث غبطة البطريرك الماروني عن الهواجس التي يعيشها المسيحيون في المشرق ليس إلاّ ظروفاً سياسية يستخدمها كل طرف وفق مصالحه وظروفه.
ولو ألقينا نظرة الى واقع المسيحيين في العراق لتبيّـن لنا أن سبب مأساتهم يعود الى الغزو الاميركي وما تبعه من توافق أميركي – إيراني على كيفية إدارة الأمور هناك.
أما في مصر فقد استغل الحكم السابق وجود تنظيم جماعة الاخوان المسلمين ليوجّه رسالة الى الغرب مفادها أن استمرار حكمه يضمن الاستقرار للمسيحيين.
ويتضح من ذلك أن المسألة تتنازعها المصالح والأهواء السياسية والدولية، وليس فيها شيء من الاضطهاد الديني.
وفي عودة الى التاريخ الحديث، عندما ترأس حميد فرنجية الوفدين اللبناني والسوري الى مفاوضات الجلاء، وكان فارس الخوري يتقدّم الجانب السوري، عرض الفرنسيون لموضوع النصارى في لبنان، واستطراداً في المنطقة، وان بقاءهم هنا هو لحماية نصارى لبنان، فتصدّى لهذا القول فرنجية والخوري، وأعلن الأول أن ادعاء حماية النصارى يضر بالنصارى أنفسهم، لأنه يصوّرهم أعداء للأكثرية الاسلامية، وأن مجرّد إثارة موضوع على هذا النحو تستعيد موضوع أهل الذمة، ملاحظاً أنّ إثارة هذا الموضوع من قبل المنتدب الفرنسي تهدف الى رغبة في التفريق وإثارة الحساسيات الطائفية، وليس بهدف الدفاع عن أي طرف إن كان مسيحياً أو مسلماً.
وفي مذكراته يقول فرنجية إنه في تلك الليلة تبلورت لديه العقيدة الوحيدة التي سيتبناها من دون أن يكون عقائدياً، وهي، أن لبنان وطن في صيرورة دائمة، ولا يتحقق كيانه إلاّ بالتوافق الاسلامي – المسيحي، ومثل هذا الوطن هو فكرة ايجابية، وهي تأكيد على إرادة العيش المشترك، ولن يكون للشرق ممراً وللغرب مقراً، وهذه الفكرة تتجسّد في مجموعة من الناس تخلصوا من عقدتي النقص والعدد، وعلى عكس ما يشاع تتألف هذه المجموعات من أكثريات وليس من أقليات، بدليل أن الموارنة اللبنانيين هم أكثرية الموارنة العرب، والدروز هم أكثر دورز العرب، أما السنّة والشيعة فهم جزء من الاكثريتين العربيتين، والروم الارثوذكس هم أكثرية الارثوذكس العرب، وكذلك الكاثوليك هنا قياساً الى الكاثوليك العرب، وأيضاً الارمن في لبنان هم أكثرية الارمن المستعربين.
يستنتج من ذلك كله أن إثارة مسألة الأقليات خاضعة لمصالح وأهواء وأهداف سياسية، وغالباً ما تكون في مصلحة الاجنبي الذي يتربّص شراً بهذه الأمة، ومن غير المقبول إثارتها في هذه المرحلة لأن في ذلك ضرراً، أول ما يصيب المسيحيين أنفسهم.