تتقاطع في بعض الرجال مهما تغايرت سياقاتهم ومساراتهم وسيروراتهم وصيروراتهم، خطوط عريضة تشبه ولا تشبه تكرار التجربة الإنسانية في سياق مختلف، فصلاح الدين جاء إلى العسكر وهو يكره فنون الحرب والدماء، ويودّ لو تُرِك لصلواته وتصوفه، ولكن كان قدره مرسوماً منذ الولادة،وينقل عنه بعض معاصريه أنه كان عالمًا بالهندسة الإقليدية والرياضيات المجسطية وعلوم الحساب والشريعة، وتنص بعض المصادر أن صلاح الدين كان أكثر شغفًا بالعلوم الدينية والفقه ومجالس شيوخ الصوفية من العلوم العسكرية خلال أيام صباه حتى اقتاده عمه رغم أنفه في جيشه إلى مصر…
سمير جعجع جاء من القدّاس والدير والطبّ ورغبة في التخصص الطبي في الأمراض المستعصية، فامتحنه الله بوطن «مستعصي»، قدر لبنان ساقه ليكون «المقاوم الأول» في الدفاع عن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، ولولا هذا الرّجل ومقاومته، لكنا كلنا اليوم (مسلمين ومسيحيين) لاجئين في أوطان أخرى،لأن لبنان كان مشروع الوطن البديل!! وما أعجب أن يرتبط مسار قائد بمصير وطن… وحيّز المقارنة بين الرجلين يقتصر على هاتين النقطتين، ومقاربتي لهذا العنوان تنحصر في هذين التقاطعيْن حتى الآن، والعنوان من دون أدنى شكّ «بينقّز»، إلا أنه ينسجم مع كلّ سياقات الدراسات المقارنة، من الأدب المقارن، إلى الأديان المقارنة، إلى التصوف المقارن، إلى الفقه المقارن، وهكذا… ولنقل أنني أرغب بتسمية «القائد المقارن»…
وللمفارقة، يحظى صلاح الدين الأيوبي عند قسمٍ منّا نحن أهل السُنّة عامّة والصوفيّة خاصّة بمنزلة «الولاية» وتعظيم كبير لقدره وبطولاته، فنزور ضريحه في دمشق ونتلو دعواتنا لروحه، أما أهل السلفيّة فيشنعّون على الصوفية، وينكرون على صلاح الدين ما نصّ عليه بنفسه لكاتب سيرته، أما إخواننا الشيعة ففي كتبهم أو عند مرورهم بالقرب من ضريحه في دمشق فهم يصبّون «كلّ لعنات الحقد والكره» على الذي أزال ملك الفاطميين ونفى التشيّع من مصر.
والمفارقة المضحكة المبكية أن يبلغ بهم حدّ الكراهية أن يطلقوا على صلاح الدين الأيوبي لقب: «مجرم حرب»، وأورد مثالاً واحداً لا أكثر ـ وأظنّ أن الدكتور سمير جعجع سيضحك طويلاً عندما يقرأ أن كتب الشيعة تَسِمُ بطل المسلمين السُنّة بـ «مجرم حرب»، على العكس من تلك «الابتسامة الصفراء» التي كانت تعلو ذات مساء وجه السيد حسن نصر الله، في لحظة تسويق عربية لبطولته في العام 2000، عندما أتوا به ليتلقّى على الهواء اتصالات المواطنين العرب السُذّج الذين خاطبوه بوصفه «صلاح الدين العصر»، فيما هو كان يمتعض ويبتلع امتعاضه مضطراً حتى لا يفسد أهمية اللقاء الترويجي!!
كتب «نضال نعيسة»1: «كنت قد وصفت في مقال سابق تحت عنوان: لماذا لا أريد الذهاب إلى الجنة، صلاح الدين الأيوبي مجرم الحرب مبشر بالجنة(…) شهادتنا بهذا المجرم وغيره،»منقوصة ومجروحة»، ولكن ماذا لو أتت من قلب المؤسسة الدينية الأزهرية، ومن مصر بالذات حاضنة الصحوة اليوم، إذ صدرت بالتزامن مع مقالنا، تصريحات مثيرة ونارية لرجل الدين الأزهري المصري المعروف، المتشيع لاحقاً، وهو سليل عائلة أزهرية مصرية، الشيخ أحمد راسم النفيس (وهو أحد أبرز رجال إيران في محاولة نشر التشيّع في مصر) يقول فيها: «لسنا في معرض تقييم الرجل من خلال الصراعات المذهبية والعشائرية والقبلية التي حملتها الثقافة البدوية أينما حلت وارتحلت، ولا تناول ما فعل صلاح الدين الأيوبي (1137-1193) من قتل وسفك للدماء وزهق لأرواح بريئة بناء على خلفيات عقائدية ومذهبية وهذه فاشية واضحة بكل المقاييس أن تقتل كل من يختلف معك بالرأي والمعتقد(…)وفجر النفيس مفاجأة جديدة بقوله: «إن دولة إسرائيل تأسست على يد صلاح الدين، حيث إن الاستيطان اليهودي بدأ في فلسطين على يد صلاح الدين، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك أي يهودي على أرض فلسطين قبل الاحتلال الصليبي للقدس»!!
فللذين يطوفون «في هذه الأيام البائسة»، على جبهات السلاح الموجه إلى صدور اللبنانيين، يغازلون الديكتاتورية وولاية الفقيه الشمولية، يدعون للمحبة والحوار، نودّ أن نذكّرهم بدعاة الحوار الحقيقيين: «أتمنى أن نُبقي للعقل مكاناً في كل المناسبات بدل أن نكون ديماغوجيين»(النهار 27-3-1985) «مع الحوار، مع العمل السياسي إلى أقصى حد»(21-10-1987)، «أكفنا ممدوة للحوار النهار (22-2-1988) «ليس هناك من شيء يبني لبنان إلا المحبة والحوار الذي بواسطته فقط نستطيع الوصول إلى التفاهم» (الأنوار 27-7-1992 ).
هذا كلام لا بُدّ منه بعد خطاب الدكتور سمير جعجع يوم السبت الماضي في ذكرى شهداء القوات اللبنانيّة، هذا هو الموقف الذي كان اللبنانيون بانتظاره، وجاء من رجل اختزل في وقفته تلك معنى: «مقاوم، وقائد، ومفكّر، ورجل سياسة عزّ وجوده في زمن الرجال الرماديين، ورئيس شعب لبنان لأنه نطق بلسانه، وباح بما في عقله وخاطره.
1ـ الحوار المتمدن ـ العدد 3228 7-12-2010، محور: «العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني» .