الطبيعة الدستورية لصلاحيات الوزير وحدودها القانونية

كتب الخبير الدستوري جورج أبو صعب: ثمة توجه خاطئ لدى قوى "8 اذار" ولا سيما "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" في اضفاء استقلالية مبالغ فيها لموقع ودور الوزير في الحكومة، وتجلت هذه المبالغة في الكباش السياسي الاخير بين الموالاة والمعارضة بشأن  مشروع الوزير جبران باسيل المتعلق بالكهرباء والذي انتهى الى انجاز نوعي للمعارضة تمثل في اقرار اللجان المشتركة مشروع قانون الكهرباء وفق البنود الستة الواردة في قرار مجلس الوزراء المتوافقة مع التعديلات التي طالبت بها قوى "14 اذار".

لذا نرى من الضروري توضيح وتحديد صلاحيات الوزير وطبيعتها الدستورية والقانونية وضعا للامور في نصابها وازالة الالتباسات التي ادخلتها قوى "8 اذار" في وظيفة ودور الوزير وفق الاتي:

اولا : موقع الوزير في النظام الدستوري اللبناني:

سواء في دستور الجمهورية الاولى او دستور الجمهورية الثانية للوزير صفتان:
اولى: ادارية وهو موظف اداري أجمعت نظريات القانون الاداري في العالم على الاقرار بها في شخص الوزير – مع الفارق الوحيد انه لا ينضوي في ملاك موظفي الدولة ولا يتقاضى راتبا بل مخصصات مالية.
الثانية: السياسية، عضو في الحكومة التي ينتمي اليها سياسيا من خلال تضامنه الوزاري ومسؤوليته امام البرلمان كما في النظام اللبناني البرلماني حيث الحكومة تخضع للمساءلة امام مجلس النواب.

فالمادة (66) من الدستور اللبناني التي نصت على ان "يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وبما خص به …" بقيت بالتالي هي نفسها في الجمهوريتين الاولى والثانية.
فبالمقارنة مع نص المادة (65) من الدستور الفرنسي التي نصت على ان الوزير "يتولى ادراة مصالح الدولة كافة التي تخضع الى وزارتهم الخاصة بكل منهم وهم يؤمنون وكل منهم بما خصه تطبيق القوانين والانظمة"، نلاحظ ما يأتي:
أ‌- ان النص الدستوري الفرنسي يخصص الوزير بالادارة العليا لمصالح الدولة كافة وليس بادارة هذه المصالح وذلك كل وزير ضمن نطاق وزارته كما في الدستور اللبناني.
ب‌- ان النص الدستوري اللبناني القديم والجديد حصر صلاحيات الوزير في "تطبيق الانظمة والقوانين لكل ما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وبما خص به – ما يعني عدم جواز استقلال الوزير في غير المهمة الاساسية المنوطة به دستوريا تحت طائلة اعتباره قد خرق الدستور ما يحمله مسؤوليتين كبيرتين دستوية وقانونية.

وعليه فان الظام الدستوري اللبناني لو اراد توسيع صلاحيات الوزير على رأس وزارته بأن يعطيه الحق بمزيد من الصلاحيات غير تطبيق الانظمة والقوانين لما فعل ذلك على غرار الدستور الفرنسي، مع العلم ان النظام اللبناني نظام برلماني يخضع الوزير للمحاسبة المباشرة عبر التضامن الحكومي كون الحكومة هي السلطة الاجرائية مجتمعة في البلاد، بينما النظام الفرنسي نظام رئاسي تخضع فيه الحكومة لسلطات رئيس الدولة وتنفذ رؤيته وبرامجه مباشرة.

كذلك في الدستور اللبناني لسنة 1926 وتعديلاته لم يكن مجلس الوزراء من المؤسسات الدستورية اذ كانت تناط السلطة الاجرائية برئيس الجمهورية ويعاونه الوزراء – لكن بعد تطبيق تعديلات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف على الدستور بات مجلس الوزراء مؤسسة دستورية مناط بها احدى السلطات الاساسية الثلاث في البلاد الا وهي السلطة الاجرائية او التنفيذية طبقا للمادة (65) من الدستور – فباتت مؤسسة مجلس الوزراء اي الحكومة السلطة التنفيذية التي تتكون من عدة وزارات على رأس كل وزارة وزير وهو الهرم الاداري فيها، فيما يرأس رئيس الحكومة رئيس مجلس الوزراء اي رئيس كل الوزراء.

ومن مراجعة نص المادة (65) من الدستور يتبين لنا ما يأتي:
أ‌- ان مجلس الوزراء يضع السايسة العامة للدولة في جميع المجالات ويضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية ويتخذ القرارات اللازمة لتطبيقها ما يعني ان وضع السياسات العامة للدولة يعود لمجلس الوزراء وليس للوزير الا المضي بها بعد اقرار هذه السياسة وليس رسم سياسات خاصة به في وزارته لا تأتلف أو تناقض او تنفصل عن سياسات الحكومة العامة.
ب‌- ان مجلس الوزراء يسهر على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على اعمال كل أجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات عامة مدنية وعسكرية وأمنية – ما يعني ان الحكومة كسلطة اجرائية تنفذ القوانين والانظمة عبر وزراء وزاراتها وتشرف على اعمال كل جهاز رسمي لكي تتأكد من ان هذه القوانين والانظمة تطبق من قبل المسؤولين عن تطبيقها وفي مقدمتهم الوزراء كل ضمن وزارته واختصاصه.
ت‌- فالقوانين والانظمة التي تنفذها الحكومة هي التي تعبر عن برامجها ومشاريعها وسياساتها والتي نالت عليها موافقة مجلس النواب (السلطة التشريعية) بناء على بيان وزاري ملزم لكل اعضاء الحكومة – ما يعني ان الوزير الذي هو جزء من الحكومة هو في الوقت عينه الذراع التنفيذي لبرامج وسياسات الحكومة المترجمة بقوانين وانظمة.

واذا عدنا الى نص المادة (64) من الدستور نجد ان من مهام رئيس مجلس الوزراء – بصفته رئيس السلطة الاجرائية – "متابعة اعمال الادارات والمؤسسات العامة والتنسيق بين الوزراء واعطاء التوجيهات العامة (اي غير المتخصصة مباشرة بما يعود لكل وزير في وزارته، بل بما يشمل كل الوزراء انطلاقا من السياسة العامة المقرة للحكومة) لضمان حسن سير العمل – وصولا به الى عقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة بحضور الوزير المختص.

فهذه الصلاحيات اعلاه لرئيس مجلس الوزراء المضاف اليها صلاحية طرح سياسة الحكومة امام مجلس النواب وترؤسه لمجلس الوزراء وممارسة هذه الرئاسة من خلال توقيع مراسيم تشكيل الحكومة الى جانب توقيع رئيس الجمهورية ودعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد ووضعه جدول اعماله – تؤكد جميعها ان ثمة جسما تنفيذيا واحدا هو مجلس الوزراء اي الحكومة وان الوزير فيها جزء من كل، وانه الجزء المؤتمن على تنفيذ سياسات الحكومة من خلال القوانين والانظمة في وزارته لا اكثر. فاذا كانت لديه اي افكار خاصة يطرحها على مجلس الوزراء، فاما ان يقرها ويرسلها لتصدر بمشاريع قوانين او يقرها لتصدر بانظمة كالمراسيم والمراسيم الاشتراعية بعد نيل اذن وموافقة مجلس النواب واما ان ترد. وفي كل الاحوال يلتزم الوزير بسياسات الحكومة وقراراتها والا يستقيل.

ثانيا : موقع الوزير في النظام الاداري اللبناني:

تتوزع صلاحيات الوزير داخل وزارته على اربعة اختصاصات: الاختصاص التنظيمي، الاختصاص الاداري، الصلاحية المالية والصلاحية الرقابية.
1- في الصلاحية التنظيمية للوزير في وزارته: اذا عدنا للمرسوم الاشتراعي رقم 111 تاريخ 12/6/1958 المعدل بالمرسوم رقم 10819 تاريخ 9/10/1962 يعود للوزير القيام بما يأتي:
أ‌- المساهمة في تنظيم الوزارات بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء تحدد عدد الدوائر والاقسام في كل منها وتعيين الصلاحيات العامة وكيفية توزيعها بين مختلف المديريات العامة والمديريات والدوائر والاقسام.
ب‌- التحديد بقرار يتخذه لكن بعد استطلاع راي التفتيش المركزي للمهام التي يجب على كل موظف القيام بها والاصول الواجب اتباعها في كل نوع من المعاملات والمهل الواجب انجازها فيها وتبليغ هذه القرارات الى مجلس الخدمة المدنية.
ت‌- اصدار التعليمات والتعاميم ذات الطابع التنظيمي وليس التقريري وتتناول التفصيلات العائدة لتنظيم الوزارة وممارسة اعمالها.
ث‌- تنسيق الاعمال بين مختلف الوحدات القائمة في وزارته.

2 – في الصلاحية الادارية: يقود الوزير اعمال العاملين في الوزارة من موظفين واجراء ويدير معظم نواحي شؤون الوزارة ويمارس سلطة رئاسية على جميع الوحدات القائمة في وزارته وعلى العاملين فيها. وله في هذا الاطار ما يأتي:
أ‌- اعطاء الاجازات من دون راتب.
ب‌- نقل موظفي الفئة الثالثة من وحدة الى اخرى في الوزارة او من وظيفة الى اخرى في الوحدة نفسها .
ت‌- استخدام الاجراء باستثناء ما يكون محصورا بصلاحيات مجلس الوزراء؟
ث‌- تمثيل الدولة في العقود التي تجريها الوزارة باسمها.
ج‌- فرض عقوبة اي تمتعه بسلطة تأديبية عقابية من عقوبات الدرجة الاولى.
ح‌- وقف موظفي الفئة الثانية وموظفي الفئات الادنى عن العمل.

3- في صلاحيات الوزير المالية: يتولى الوزير اعداد مشروع الموازنة العامة لوزارته والعمليات المتعلقة بنقل الاعتمادات في الوزارة من فقرة الى فقرة أخرى من الموازنة ويبت الصفقات المتعلقة ببيع الاموال المنقولة وصفقات المناقصات العمومية وعقد النفقات وفقا وفي حدود النصوص القانونية المرعية الاجراء.

4- يتولى الوزير الرقابة الادارية على المؤسسات العامة التابعة لوزارته فيما لوزير الداخلية دون سواه الصلاحية في ممارسة سلطته الرقابية على البلديات والمؤسسات التابعة لها.

ختاما وانطلاقا من مجمل الملاحظات اعلاه يمكننا الجزم بأن الوزير يتولى المهام التنفيذية لوزارته وهو المؤتمن على ادارة وزارته ومصالح الدولة لتطبيق القوانين والانظمة فيما يعود لاختصاص وزارته – تلك القوانين والانظمة التي تقرها الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء مجتمعا الذي تناط به دستوريا السلطة التنفيذية ووضع سياسات الدولة والحكومة دون سواه. فالوزير ذراع تنفيذي لسياسات الدولة، وليس هو من يرسم ويضع سياسات الحكومة بمفرده ولا هو من يخالف سياسات الحكومة وبرامجها بقرار منفرد منه.

المراجع لهذه الدراسة:

*نص الدستور وتعديلاته لعام 1990.
*البروفسور ادمون رباط – الوسيط في القانون الدستوري اللبناني – دار العلم للملايين
*د.عمر حوري – القانون الدستوري – منشورات الحلبي الحقوقية – طبعة 2009
*الدكتور طارق المجذوب – الادارة العامة – العملية الادارية والوظيفة العامة والاصلاح الاداري – منشورات الحلبي الحقوقية – طبعة 2002
*البروفسور فوزي حبيش – الوظيفة العامة وادارة شؤون الموظفين – طبعة 1986 .
*Droit constitutionnel et institutions politiques – georges burdeau – 19eme edition .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل