أهمّية بكركي، موقع ودور، تكمن تاريخيّا في مجموعة عوامل المجالُ ليس متاحا لتعدادها، إنّما أبرز هذه العوامل استقلاليتها المعنويّة والمادية، وهذا ما يمكّنها من إعلاء ثوابتها ومسلّماتها بمعزل عن أيّ تأثيرات داخلية وخارجية، كما غياب العنصر الذاتي والمصلحيّ لديها والذي يتحكّم إجمالا بالقوى السياسية التي تتأثر بلعبة السلطة والمنافسة، وهذا أمر بديهيّ وطبيعيّ، فضلا عن قدرتها على الاستشراف السياسي وتسمية الأشياء بأسمائها، أي قول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله، ولا حاجة لإثبات ما تقدّم حيث إنّ التجربة أكبر برهان منذ ما قبل الاستقلال الأوّل وإلى ما بعد الاستقلال الثاني.
ولعلّ مناسبة هذا الكلام انعقاد القمّة الروحية الإسلامية – المسيحية في "دار الفتوى"، هذه القمم التي تفقد أيّ معنى لها في حال كانت مجرّد صدى لما يردّده هذا الحزب أو ذاك، وهذه الفئة أو تلك، أي في حال عجزها ليس عن اجتراح الحلول التي تتطلب ظروفا وطنية وموضوعية، إنّما لجهة عدم قدرتها على تجاوز السائد وكسر الحواجز وتحطيم المحرّمات والتقدّم بحلول وأفكار فوق سياسية.
فما قيمة القمم الروحية إذا كانت بياناتها كـ"وجبة المستشفيات"؟ وما أهمّيتها إذا لم تفلح من تقديم جديد؟ وما الإضافة التي تمكّنت هذه القمّة من إدخالها على المشهد السياسيّ أو الفرز القائم؟ وما أهمّية البيان الصادر عنها؟ وهل يشكّل خرقا في الحياة السياسيّة؟
ولكن قبل مقاربة مضمون البيان وإبداء بعض الملاحظات حوله، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه القمّة شكّلت مصلحة مزدوجة لكلّ من البطريرك الراعي والمفتي قبّاني، إذ إنّ الأوّل في حاجة لإعادة مَدّ جسور الثقة مع الطائفة السنّية بعد الكلام الصادر عنه والذي أثار موجة من الردود والاستنكارات في الشارع السنّي لجهة قوله: "إذا تأزّم الوضع في سوريا أكثر ممّا هو عليه، ووصلنا إلى حكم أشدّ من الحكم الحالي كحكم الإخوان المسلمين فإنّ المسيحيّين هناك هم الذين سيدفعون الثمن سواء أكان قتلا أم تهجيرا"، كما قوله "إذا تغير الحكم في سوريا وجاء حكم للسنّة فإنّهم سيتحالفون مع إخوانهم السنّة في لبنان، ممّا سيؤدّي إلى تأزّم الوضع نحو الأسوأ بين الشيعة والسنّة". لقد أدرك البطريرك أنّ هذا الكلام أوجد هوّة كبيرة بينه وبين أهل السنّة في لبنان، وبالتالي وجد القمّة الروحيّة أقصر الطرق لتبديد ما أثاره كلامه من التباسات.
كما شكّلت هذه القمّة مصلحة حيويّة أيضا للمفتي قباني الذي يبحث عن دور تعويضي أو عن مشروعيّة بعد كلّ ما رافق حملة التشكيك بدوره إثر استقبال السفير السوري ووفد حزب الله، وجولته الجنوبية برعاية الحزب وابتعاده عن "المستقبل" واقترابه من 8 آذار.
أمّا أبرز ما يمكن التوقف عنده في البيان الصادر عن القمّة:
أوّلا، تغييب بند المحكمة الدولية، وهذا ما كان يفترض بالمفتي قباني الإصرار على تضمينه البيان، خصوصا أنّ هذه الدار كانت اعتبرت المحكمة من الثوابت الإسلاميّة، ما يثبت التوجّه المستجدّ للمفتي قبّاني. وللتذكير فقط أنّه حتى حكومة حزب الله ضمّنت البيان الوزاري موضوع المحكمة، هذه المحكمة التي تحوّلت من الثوابت الوطنيّة التي مجرّد إغفالها يعني تظليل المجرمين وضرب العدالة واستهداف المصالحة وتعميق الشرخ بين اللبنانيين.
ثانيا، عدم تظهير اتّفاق الطائف كنصّ مرجعيّ والاكتفاء بالإشارة إليه من منطلق "التوافق على المصالح الوطنيّة والقوميّة الكبرى التي أرستها وثيقة الوفاق الوطني"، ولكن إذا كانت المصالح الوطنية مفهومة، يبقى أنّ المصالح القوميّة الكبرى مطّاطة وتحمل أكثر من تفسير وتأويل، لا بل تعيدنا إلى زمن "وحدة المصير والمسار".
ثالثا، الإشارة في البند الخامس إلى الحراك الجاري في البلدان العربيّة، وعلى رغم الإشادة بهذا الحراك، غير أنّ البيان يحذّر من "اتّجاهات تنحرف به عن غاياته الأصليّة"، ومن دون الإتيان من قريب أو من بعيد على ذكر الأنظمة القمعيّة التي تنتهك كرامات الناس وتصادر حرّياتهم وتمعن في القتل والترهيب.
رابعا، إغفال أيّ ذكر للقرار 1701 في البند السابع الذي "يعتبر العمل على تحرير بقيّة الأراضي اللبنانية واجبا وطنيّا (…)"، وهذا ما يصبّ مباشرة في خانة حزب الله. والأخطر الكلام عن "تحرير بقيّة الأراضي العربية المحتلة وتحرير المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة"، فما علاقة اللبنانيّين بتحرير الأراضي العربية، فضلا عن إغفال مبادرة السلام العربية.
خامسا، شكّلت هذه القمّة سابقة لجهة انعقادها للمرّة الأولى خارج بكركي. وهذا لا يعني أنّه يجب حصر القمم الروحية في بكركي، إنّما كان يفترض ألّا تأتي مرتجلة وأن تقدّم جديدا.
سادسا، تكفي إشادة حزب الله عبر "المنار" في "مكان القمّة" و"في مضمونها" و"في إهمال الروحيّين ذكر المحكمة" وفي الثقة بالنفس بأنّ التحرير" (…) لا يقتصر على الاراضي اللبنانية المحتلة، بل على الاراضي العربية والمقدّسات الاسلامية والمسيحية، وتحريرها واجب وطنيّ وعربي جامع" للتدليل على ما آلت إليه هذه القمّة. أمّا انشراح حزب الله بتبنّي القمّة وجهة نظره "بتحرير الأراضي العربية" فلا يصبّ عمليّا في مصلحته، كونه يكشف استراتيجيته الفوق اللبنانية، والتي يبدو أنّ هذا الأمر يشكّل مصدر اعتزاز له، لأنّه يخوّله الاحتفاظ بسلاحه إلى الأبد.
ولا بدّ أخيرا من الإشارة إلى أنّ بكركي ودار الافتاء شكّلا منذ العام 2005 عامل توازن مع المرجعيّة الروحية الشيعية التي تدور في فلك الحزبية الشيعية، ولكن مع التحوّلات التي استجدّت على موقعي بكركي ودار الافتاء باتت كلّ هذه المرجعيات تدور، بشكل أو بآخر، في فلك واحد.
