#dfp #adsense

زينب الحصني… ومؤامرة الإعلام العربي!

حجم الخط

لم يتسنَّ للصبيّة زينب الحصني ذات التسعة عشر ربيعاً التي استنكر كلّ الغرب ـ كلامياً على الأقل ـ ذبحها وقطع رأسها وأطرافها وسلخ جلدها ولولا رأسها وشعرها الأسود المنسدل وراءه والموضوع إلى جانب جثتّها مع أطرافها المبتورة لظنَّ الرائي أنّ ما يراه هو جيفة «شاة» لا «جثّة فتاة»!! وكان السؤال الأوّل الذي طرحته على نفسي: هل الإعلام العربي متواطئ على الشعب السوري لا على النظام ؟! ما شاهدتُه أدلّة مروّعة ما زلتُ أرتجّ تحت وطأتها، والسؤال المروّع الذي لا إجابة له: لماذا حجب الإعلام العربي صور جثّة زينب الحصني هل لهول ما فُعِل بها، أم «طمراً» سريعاً لجريمة لو عرضت للعالم لانفجرت شعوب العالم العربي واشتعلت غضباً؟!

ولا مبرّر للحديث هنا عن «أخلاقيّات» مهنيّة أو إنسانية أو أنّ الصور فوق طاقة احتمال جمهور المشاهدين، فنفس الإعلام سبق وعرض لنا فظاعات أكبر بكثير، ولنستعد معاً على الأقل ثلاث مرات كان فيها خروج الصورة إلى العالم «كما هي» بكلّ فظاعتها هو العامل الأول في إحراج «تواطؤ الدول واستخفافها بأرواح الشعوب»، المرّة الأولى عندما خرجت للعالم صور أهوال مجزرة صبرا وشاتيلا، هذه الصور على فظاعتها هزّت ضمير الرأي العام العالمي وقادت إلى سقوطٍ مخزٍ لحكومة بيغن وفضيحة أخلاقية إنسانيّة في دولة نفترض أنها عدو وأنها مجرمة، ووزير دفاعٍ هو «السفّاح شارون» الذي اضطر للمثول أمام محكمة في «دولة ديموقراطيّة» هي للأسف إسرائيل تَسجن رئيسها لتحرشه بموظفة، وتَسجن إبن رئيس وزرائها آرييل شارون بتهمة الفساد، ويتظاهر شعبها مطالباً بمحاسبة مجرمي مجزرة صبرا وشاتيلا، هذا حدث في أيلول العام 1982، فيما حَجْبُ صور مجازر مدينة حماة السورية في شباط من نفس العام 1982 وهي أشدّ هولاً بكثير من مجزرة صبرا وشاتيلا كان كفيلاً في قمع الشعب السوري وعيشه في ظلّ الرعب والخوف وسمح لنظام القمع أن يستمر في الحكم حتى العام 2011 وأن يتعوّد على القتل لأن لا أحد يُحاسبه!!

والمرة الثانية كانت في العام 1996 يوم جال الرئيس الشهيد رفيق الحريري دول العالم لينقذ لبنان من عناقيد غضب العدو الإسرائيلي، وجاء بإعلام العالم إلى الجنوب، فكانت الـ CNN تنقل مباشرة صور أشلاء جثث أطفال قانا التي ذابت احتراقاً أو تناثرت قطعاً، بثّ الصورة عجّل بالتوصّل إلى تفاهم نيسان وفضح همجيّة إسرائيل التي قصفت مدنيين عزّل في مركز تجمع للقوات الدولية الفيدجيّة، ولم يمت الجمهور ولم يتعقّد ولم «يهستر» وهو يشاهد أطفالاً بلا رؤوس أو بلا أطراف أو عائلات بأكملها أبيدت، على العكس انقدحت في العالم شرارة هزّت ضميره فتوقف القتل، ثمّ تكرّر نفس المشهد ثانية في قانا الثانية في العام 2006 !!

ما هذه «الأخلاقيّة» التي دبّت في الإعلام العربي، خصوصاً الإخباري، وما هذا الحرص على مشاعر الجمهور العربي التي تنتهكها شقيقاته بكل وقاحة في تعرية النساء وتسليعهن و»تقحيبهنّ»، وأي انشغال هذا عن المرأة السوريّة، بتهليله لإطلاق سراح المرأة السعودية من قماقم الفتاوى التي حبستها طوال ما يقارب قرنٍ من الزمن ثم فجأة استيقظت متثائبة لتتذكر أن المرأة في الإسلام كانت ذات شأن ودور كبير، وأنها حاورت نبيّ الرحمة [ص] وجادلته[سورة المجادلة] في شأن زوجها وأنّ الله أنزل فيها قرآناً من فوق السبع الطباق وأنصفها…

والمرّة الثالثة إذا شئتم ليست ببعيدة عن الذاكرة يوم مجازر غزة أواخر العام 2008 ـ 2009، كانت كاميرات الإعلام العربي تنقل لنا مشاهد مروّعة من غزّة بينها مشهد لطفل خرج قلبه الصغير من صدره، بل كانت الكاميرات تمدّ الأيدي وتكشّف الجثث لتصورها علّ العالم يتحرّك!!

الإعلام العربي متّهم بالازدواجيّة والتآمر، فهل القتل الإسرائيلي وجثثه صالحة لعرضها على الجمهور مهما كانت فظاعتها، والقتل العربي صوره يجب حجبها حتى لا ينزعج خاطر الأنظمة المتثاقلة والتي كفاها الكلام في رفض ما يحدث للشعب السوري!!

إنَّ حجب صورة ما حدث من فظائع لصبيّة سوريّة خطفت منذ شهرين وذاقت ألوان العذاب وانتهكت حتى حرمة جثتها، ووحده الله يعلم والطبّ الجنائي المتطوّر ربما في الغرب إن كانت قُطّعت وسُلخت وهي حيّة، فالجرائم التي يرتكبها النظام السوري وجثث وأظافر الأطفال التي حملت آثار تعذيب مروّع تؤكّد أنّ قتلته يستمتعون بالقتل تعذيباً، إن حجب صورة جثة زينب الحصني عن المشهد العربي والعالمي هو جريمة تفوق في تخاذلها وتآمرها المجزرة التي نُفّذت بحقّ جسدها، بل هي الخيط الرفيع الذي يقودنا إلى الحديث عن مؤامرة عربيّة حقيقيّة على سوريا وشعبها لا على نظامها، ويدعونا للتفكير طويلاً فيما أعلنه الرئيس السوري بشار الأسد قبل أيام قليلة ساخراً قائلاً: «إن الأنظمة العربية معه قلباً وقالباً وأن اتصالاتها به يوميّة، أما هجوم الإعلام فلضرورة إبعاد الشبهة وذرّ الرماد في العيون».. يبدو أنّ الدليل الساطع على صدق ما قال الرئيس السوري هو قرار الإعلام العربي بعدم بثّ صور جثّة ابنة حمص الشهيدة زينب الحصني، وعسى أن يُرينا الله يوماً في من يتقلّدون أمور العرب والمسلمين وفي نسائهم وبناتهم ما أرانا مما يُفعل بالشعب السوري زينب وجسدها المقطّع ورأسها المقطوع وجلدها المسلوخ، اللهمّ آمين.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل