"الطائف" تناقضات والتباسات. لا أحد يكابر على ذلك اليوم. إلا أن أحداً لا يملك بديلاً من "الطائف" اليوم، أو في الغدّ أو بعد الغدّ. أقلّه ليس هناك ما يبشّر جدّياً بذلك.
بيد أنّ الإتفاق الذي انبثق عنه النظام الدستوريّ والسياسيّ للبنان بعد الحرب، والذي عاصر "الوصاية" و"النظام الأمنيّ" و"الإستقلال الثاني" (المبتور) ثم "صلح الدوحة" ثم "نقض صلح الدوحة"، شكّل قاعدة "إرتكازية" للنظام اللبنانيّ أكثر مما شكّل قاعدة "إحتكاميّة" ترجع إليها المؤسسات الدستورية المختلفة.
فالنظام "يرتكز" – وما زال يفعل ذلك حتى إشعار آخر، على "الطائف" وقاية له من السقوط في "حرب الكلّ ضدّ الكلّ" (الحرب الأهلية) أو في "حرب الواحد ضدّ الكلّ" (الإستئثار الفئويّ)، إلا أنّ "الطائف" نفسه لا يستطيع الفصل لا في كبيرة ولا في صغيرة، بما في ذلك قانون الإنتخاب، الذي هو الشرط الأوّل لشحن وإعادة شحن أي نظام سياسيّ بأسباب الشرعيّة المنبثقة عن الإرادة الشعبية.
فمنذ بداية التسعينات وإلى اليوم، دخل البلد في جدل حول "الشكل الأمثل والأكثر واقعية في آن" لقانون الإنتخاب، وهو جدل تنوّعت سياقاته السياسيّة حسب كل جولة، لكنه بقي يعجن ويخبز المقولات نفسها، ما ساهم في توسيع الحلقة المفرغة بدلاً من السعي إلى الإفلات والخروج منها.
وهذا الجدل ظلّ يلازم حدّين إثنين. أحدهما يتذرّع بضرورة أن يكون لقانون الإنتخاب وظيفة توحيديّة بين اللبنانيين، تقضي لزاماً ببعثرتهم أو التخليط بينهم في "الدوائر"، كما لو كانت الديموقراطية تعني "مولينكس وطنيّ للعموم". والثاني يتذرّع بمعيار "صحّة التمثيل" كما لو كانت العملية الإنتخابية مجرّد عملية "إحصائية" للأمزجة والأوزان كما هي في واقع الحال، وليس عملية حيويّة تسمح بتبدّل "الوزن الإنتخابيّ" لكل طرف بنتيجة المنافسة الإنتخابية نفسها.
وتفرّع هذا الجدل إلى مناقشة نظام الإنتخاب الأمثل، وتحديد التقسيم الإنتخابيّ الأفضل. وعادة، يظنّ دعاة الأخذ بـ"النسبية" كنظام إنتخابيّ أنّ ما يطرحونه بالضرورة أكثر "تقدميّة" من سواهم، وهذه مصادرة لا يجيزها الواقع المقارن بين الأنظمة الإنتخابية المختلفة عبر العالم. في المقابل، بقيت الدعوة إلى "الدائرة الفردية" نخبوية وموسمية، علماًَ أنّ إعادة المسألة إلى جادة السوّية تفترض الإختيار بين أمرين لا ثالث لهما. فإذا كان لا بدّ من نظام أكثريّ لا يمكن أن يستقيم ذلك إلا بالدائرة الفردية، أي بمبدأ "صوت واحد لكل ناخب" وتقسيم البلد إلى دوائر إنتخابية بعدد أعضاء الندوة البرلمانية. وإذا كان لا بدّ من دوائر غير فردّية، متوسّطة أو أكبر من المتوسّطة، فلا مناص حينها من نسبية ما.
وكان من الطبيعيّ أن ينعكس هذا الجدل بين "فرقة الإنصهار" وبين "فرقة صحّة التمثيل" أخذاً وردّاً حول شكل الدائرة الإنتخابية وحجمها، وحول أهمية التساوي بين الدوائر أو عدمه. والمخرج كان في كلّ مرة إنتقائياً، لكن كل مرة إنتقائياً بشكل مختلف، الأمر الذي عزّز القناعة بقيام الطبقة السياسية بتفصيل الدوائر على مقاساتها المختلفة، بالشكل الذي يعطّل جزءاً أساسياً من عملية شحن النظام السياسيّ بأسباب الشرعية المنبثقة عن الإرادة الشعبيّة.
في الوقت نفسه، تعزّزت النظرة بأنّ "الأقضية اللبنانية" تعبّر في تقسيماتها عن "حيثيّات تاريخية" أكثر رسوخاًَ من "المحافظات" ذات القيمة "الإعتبارية" بشكل عام، بل "الإعتباطية" أحياناً. لكن التعميم هنا أيضاً غير جائز، فـ"الإنتماء إلى القضاء" يتفاوت بين قضاء وآخر، وهناك أقضية ما عاد من الممكن التعامل معها حقيقة كأقضية بعد الحرب الأهليّة. وهكذا بقي الجدل حول القانون الإنتخابيّ يراوح مكانه على إمتداد العقدين الماضيين، الأمر الذي يعكس جزءاً من إنسداد الأفق الذي عبّرنا عنه بمعادلة أن "إتفاق الطائف" هو "مرتكز" النظام السياسي والدستوريّ اللبناني الذي لا يمكن "الإحتكام" إليه في الوقت نفسه للفصل في الصلاحيّات والنزاعات أو لإنضاج الرؤية التطويريّة للنظام.
لكن اللافت هنا، أنّ "الطائف" رغم كل تناقضاته والتباساته ما زال متقدّماً على كل الجدل المثار منذ عشرين عاماً حول القانون الإنتخابي "الواقعيّ الأمثل". وهذا لسبب واحد وأساسيّ أنّه ربط القانون الإنتخابي الواجب إعتماده، وبالتالي الدوائر الإنتخابية الواجب تحديدها، بـ"إعادة النظر في التقسيم الإداريّ"، أي أنّه ربط الديموقراطية الإنتخابية لزاماً، وبشكل عضويّ، باللامركزيّة. ونستطرد هنا أن الطائف حرص على تعريف الأخيرة بـ"اللامركزية الإدارية"، وفي هذا إما تحصيل حاصل، لأنّ اللامركزية هي شكل تنظيم إداريّ للدولة الوحدوية، وليست تنظيماً سياسياً لدولة إتحادية، وإما تمييع وإلتباس، بحيث يجري الخلط بين اللامركزية واللاحصريّة، وعلى هذا النحو المختل فهم الأمر منذ عقدين على أية حال.
يبقى أنّ ما فهمه "إتفاق الطائف" وما أغفله الجدل حول القانون الإنتخابيّ بعده أنّ هكذا جدلاً سيظلّ مضيعة للوقت ما لم يعد "النظر في التقسيم الإداريّ"، ما يعني بشكل أو بآخر أنّ الجدل العقيم هذا، والناشئ عن الغطرسة الديموغرافية من ناحية، والذعر الديموغرافيّ من ناحية أخرى، لا مخرج منه إلا بإعادة الإعتبار لـ"الجغرافيا".
إن المخرج من الجدل العقيم بين "سكرة العدد" و"سكرة الذعر من العدد" لا يمكنه أن يكون إلا مخرجاً متصالحاً مع الجغرافيا التعدّدية القائمة فعلاً، وعلى أرض الواقع، فهي القادرة، من طريق اللامركزيّة، ومن خلال ربط التقسيمات الإنتخابية بعملية إعادة نظر شاملة في التقسيمات الإدارية، في الشكل كما في المضمون.
ومن دون إعادة الإعتبار لهذه الجغرافيا التعدّدية القائمة، فإنّ الجدل بين فرقة "كل طائفة تنتخب نوابها" (المناصفة التحاصصية) وبين فرقة "الإنصهار بشروط وخلفيات وأحجام طائفية" (المناصفة الشكلية) سيبقى عقيماً. فالفرقة الأولى تعطّل الإمكان الديموقراطيّ، لأنّها تفترض أن "الطائفة" اختارت ممثليها سلفاً، قبل خوض الإنتخابات، في حين أنّ الفرقة الثانية تحكم على اللعبة الديموقراطية اللبنانية بمنتهى الفصام (السكيزوفرينا)، بحيث تبقى "اللاطائفية" عدّة النصب المثلى عند عتاة الطائفيين.
فالمناصفة عموماً، ونسب توزيع المقاعد النيابية بحسب القيد الطائفي، لا يمكنها أن تكون "شكلية" أو "صوريّة" فقط مثلما لا يمكنها أن تكون "تحاصصية" بشكل مطلق. والإنسداد التاريخيّ الذي يعيشه النظام اللبنانيّ هو إلى حد كبير إنعكاس لهذه المراوحة بين "المناصفة الشكلية" المستحيل تقبّلها و"المناصفة التحاصصية الكاملة" المستحيل بلوغها.