ردّاً على المغالطات التي تضمنّتها مقالة الصحافي غسّان سعود الصادرة في صحيفة "الأخبار" الإثنين 26 ايلول 2011، بعنوان "المسيحيون بين خيارات الراعي وجرأة جعجع"، أرسل مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية" لشؤون الرئاسة العميد المتقاعد وهبي قاطيشه مقالاً توضيحيا فند فيه لهذه المغالطات بالوقائع والتواريخ.
النص الكامل للمقال التوضيحي للعميد قاطيشه:
"يفتتح الأستاذ سعود مقالته بتخيير المسيحيين بين "خيارات الفاتيكان وخيارات جعجع"، واضعاً الأمر في سياق وجود إختلافاتٍ جذرية بين الطرفين، لكن ما فات سعود ان خيارات الفاتيكان هي نفسها خيارات ومواقف وثوابت الدكتور جعجع و"القوات اللبنانية" تحديداً، حتى مع بروز تباينات سياسية آنية في أحيان قليلة، تصبّ بالنهاية في كيفية اجتراح افضل السبل والوسائل التي تخدم قضية لبنان والمسيحيين.
ولئن نسي الأستاذ سعود او تناسى ما كتبه سابقاً، فمن الضروري إعادة تذكيره بما اورده هو نفسه، نقلاً عن عميد مجمع الكنائس الشرقية ليوناردو ساندري، وذلك في مقالةٍ له بعنوان: "الفاتيكان يذكّر الموارنة بمسؤولياتهم التاريخية"، نُشرت في جريدة "الأخبار" نهار السبت 13 شباط 2011، وفيها رأى ساندري: "ان المطلوب من الموارنة السهر على حماية كرامة الشخص البشري، وحريته"… فأين التناقض بين هذا الخيار الفاتيكاني المبدئي، وبين كل ما تنادي به "القوات اللبنانية"، وبخاصةٍ لجهة الموقف من الربيع العربي الذي شكّل بالأساس المادة الدسمة لكل التأويلات والتفسيرات والتكهنّات التي اُثيرت بشأن علاقة القوات اللبنانية بالبطريرك الراعي، وبالفاتيكان؟!
وينتقل الأستاذ سعود بعدها الى تأكيد "ثبات الدكتور جعجع في القوات اللبنانية منذ يوم انتسابه اليها من دون تغيير" محاولاً بذلك "إدانة" جعجع على هذا الثبات. فيما الحقيقة ان الأستاذ سعود اصاب فعلاً في هذا القول، إذ لعلّ اهّم ما يميّز الدكتور جعجع والقوات اللبنانية هو الثبات في المواقف الوطنية والإلتزام بالثوابت التاريخية التي حتّمت وجود القوات اللبنانية بالأساس، وذلك بخلاف الكثيرين ممّن يتلوّنون ويتزلّفون وينشدون الذمّية طمعاً بالكرسي…
ثم يدعّي سعود ان الدكتور جعجع اوقع نفسه في التناقض عندما قدّم تصوُّرَ القوات اللبنانية للقانون الإنتخابي الأمثل، والقاضي بأن تنتخب كل طائفة ممثليها وذلك بموازاة دعوته (اي جعجع) المسيحيين الى عدم التقوقع. وهنا ايضاً، يظهر الأستاذ سعود وكأنه يحاول إفتعال مقالةٍ من العدم!!. فأين التناقض بين ما قاله الدكتور جعجع وبين طرحٍ إنتخابي ينبع أساساً من روحية الميثاق الوطني، اي من روحية العقد الإجتماعي المسيحي- الإسلامي الذي اوجد الدولة اللبنانية، والقائم على مبدأ التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وعلى المناصفة والمساواة في توزيع السلطة، وليس على التهميش والإقصاء…
من هنا، فإن الدعوة التي اطلقها الدكتور جعجع للمسيحيين بعدم التقوقع، تفترض اولاً ان يتمتّع المسيحيون بحقوقهم السياسية والإجتماعية كاملةً، وان يُجاهروا بآرائهم السياسية ويُعبرّوا عن بُعدهم الإنساني والروحي بكل حريّة بما يؤدي عملياً الى تحسين واقعهم السياسي والإجتماعي داخل بلدانهم ومجتمعاتهم، وهذا يتكامل بالضبط وبالتحديد مع الطرح الإنتخابي الأولي الذي تقدّم به الدكتور جعجع والذي تفاعل معه البطريرك الراعي بكل إيجابية، بحسب ما عاد واقرّ به الأستاذ سعود في مقالته ذاتها!!. فهل أن هذا "التفاعل الإيجابي" الذي ابداه البطريرك الراعي، يُحولّه، بنظر الأستاذ سعود، نصيراً للتقوقع ايضاً؟
لقد سعى الأستاذ سعود جاهداً لإظهار واقعٍ إنقسامي يتحكّم في العلاقة بين القوات اللبنانية من جهة، والبطريركية المارونية والفاتيكان من جهةٍ أخرى. ولو سلمّنا جدلاً بوجود بعض التمايزات الآنية التي لا تصل ابداً الى حد الإختلاف، فهذا "لا يُفسد في الودّ قضية" طالما ان القضية التي تُحرّك الطرفين نبيلة وتؤدي في النهاية الى النتيجة ذاتها الا وهي تثبيت سيادة واستقلال لبنان، والحفاظ على الحضور المسيحي الفاعل فيه. وقد عبّر الرقيم البطريركي الذي تلاه المطران رولان ابو جودة اصدق تعبير عن ذلك، عندما اعلن خلال قداس شهداء المقاومة اللبنانية في 24 ايلول 2006 ان "القوات استشهد اعضاؤها من اجل قضية ..أثبتت الايام صوابيتها".
ومن جهةٍ ثانية، إذا كان الأستاذ سعود يعتبر مثل هذا التمايز – إذا وُجد – مؤشراً على تصادم القوات اللبنانية مع خيارات الفاتيكان، فهل له ان يصف لنا بالضبط واقع العلاقة بين الفاتيكان، وبين بعض سياسيي الفريق الآخر ممّن بلغ بهم الأمر طيلة الـ 22 سنة الأخيرة، حدّ التنكّر لثوابت بكركي كلها، ومقاطعة الفاتيكان لمجرّد إعترافه بشرعية الرئيس السابق الياس الهراوي، والتعدّي على حرمة بكركي، والتجريح الشخصي بالبطريرك، مما حدا بالمطران بشارة الراعي آنذاك للتدخل، والتهديد برمي الحرم الكنسي على كل من تسوّله نفسه التطاول على البطريرك صفير.
وبالمناسبة نقول، إن القوات اللبنانية هي اكثر الأطراف تمسكّاً بثوابت بكركي، ولعل كل العتب الذي تُبديه القوات تجاه بعضهم، ينبع اصلاً من رغبتها بالّا يستسهل أحدٌ التفريط بهذه الثوابت.
مهما يكن من أمر، فإن بروز تمايزات آنية غير جوهرية مع بكركي ليس حِكراً على القوات اللبنانية او الجبهة اللبنانية من قبلها، فالمؤسسة الكنسية ذاتها كانت عُرضةً لبعض الإختلافات الداخلية، إذ يؤكّد الرئيس الأسبق للرهبانية اللبنانية الأباتي بولس نعمان في الصفحة 15 من مذكراته "الإنسان الوطن الحرية" وجود تباينات سياسية بين البطريركية المارونية من جهة، والرهبانية اللبنانية من جهةٍ أخرى، معتبراً في الصفحة 63 ان الرهبانية "شعرت بنكسة كبيرة عند معرفتها بانتخاب المطران خريش بطريركاً "لأننا كنّا نعتبر أنه لا يتمتّع بصفاتٍ قيادية ويبدي تعاطفاً أكثر من اللازم مع القضية الفلسطينية"، مُضيفاً في الصفحة 81 ان الصحافة في بيروت الغربية ركّزت بشدّة على "الخلافات بين البطريرك خريش والرهبانيات". فهل هذه التمايزات المرحلية تضع الرهبانية اللبنانية المارونية في مواجهةٍ وتصادمٍ مع خيارات الفاتيكان يا ترى؟!
اكثر من ذلك، وعلى افتراض ان الفاتيكان كان مُعارضاً للتوجّه التاريخي للمسيحيين في لبنان (ممثلين بالجبهة اللبنانية سابقاً، والقوات اللبنانية ومسيحيي 14 آذار حالياً)، كما يدعّي الأستاذ سعود، فهذا يؤكد من حيث المبدأ، ان هذا التوجّه التاريخي يتمتّع باستقلالية تامّة لناحية الخيارات السياسية والوطنية، وإن الإرتباط بالفاتيكان لا يعدو كونه ارتباطاً دينياً روحياً معنوياً.
حقيقة الأمر، وبعيداً عن اي افتراضاتٍ او أقاويلَ او إيحاءاتٍ غير صحّية تتعلّق بمواقف الفاتيكان، حاول كاتب المقالة سوقها من دون أي سندٍ موثّق. بعيداً عن كل ذلك إذاً، تأتي الوقائع الدامغة والحسيّة لتؤكدّ ان خيارات الفاتيكان الإستراتيجية، تتقاطع جوهرياً مع الخط التاريخي للمسيحيين، وليس ادلّ على هذا القول سوى التذكير بواقعة تعرّض مبنى السفارة البابوية في القنطاري للقصف المتعمّد والإحراق في 23 آذار 1976 على يد أخصام الجبهة اللبنانية تحديداً!!. فهل من دليل اسطع من ذلك بعد؟
امّا بعد، إذا كانت خيارات جعجع إنتحاراً وتهجيراً وإقصاءً للمسيحيين، فلماذا لم ينجح المناهضون لجعجع والموالون لقوى الوصاية داخل الخندق المسيحي في منع حصول كل ذلك، او أقلّه في تصحيح هذا الخلل لاسيمّا خلال الخمس عشرة سنة التي تلت التوقيع على إتفاق الطائف عندما كانت هذه القوى تسيطر على كل مقدّرات البلاد والعباد، واستطراداً لماذا اخفق كل هؤلاء في إثبات فشل هذه الخيارات؟
في الواقع، ان جعجع كان يتبنّى اصلاً قضية الغالبية الساحقة من المسيحيين، لذلك جاءت عقوبة الإحتلال جماعية وطالت كل الشعب المسيحي الذي يؤمن بحرية وسيادة لبنان، ولم يشذّ عن هذه العقوبة سوى من رضخ لذمّية الإحتلال وباع قضيته بثلاثين من الفضّة… فكفانا الله وكفى لبنان شرّ هؤلاء…
النص المجتزأ التي نشرته صحيفة "الأخبار" لمقال العميد قاطيشه.