كان متوقعاً أن تفضي مواقف غبطة البطريرك بشارة الراعي إلى لحظة مؤاتية يتحيّن فيها الرئيس نبيه بري قطف موسم الانتخابات «التعداديّة» لا «التعدديّة»، فعندما افتتح البطريرك عهده بوصف «شركة»، «كيّف» الرئيس نبيه بري لأنّه يحب «الفراكة» لا «الشراكة»، وأظن أن غبطته كان ليكون أكثر إنصافاً في وصف لبنان بـ «وطن» لا بـ «شركة»، لأنّ الشركة مع حزب الله وممثله الرسمي في الدولة لا يؤمنون بلبنان وطن نهائي لكلّ أبنائه، وجاءت الجولات البطريركيّة، وذبذبات بوصلتها المترجرجة في التمسك بتصريحاتها ثم وصفها بالمجتزأة ثم تأكيد التأكيد الأوّل، وتوّجها بالأمس باستقبال سيترك انطباعاً سيئاً جداً عند مسلمي لبنان ومسيحييه، ففي اللحظة التي يقتل فيها السوريون، وتسلخ جلود نساء حمص يفتح البطريرك صرح بكركي لممثل نظام «قتل الشعب»، هي سابقة في تاريخ بكركي، وعلى ما يبدو أنّ هذا أول الغيث ليس إلا!!
مستعجل جداً الرئيس نبيه بري على التقاط لحظة «الضعف» الذي تبديه بكركي، ليطبخ قانون انتخاب مفصّل على قياسه وقياس طائفته تحت عنوان: «قانون انتخابي على اساس الدوائر الكبرى والنسبية وخفض سن الاقتراع وقانون غير موصوف بالطائفية للاحزاب»، «ليش حركة أمل شو؟ علمانيّة، أم حركة «شيعيّة» تقوم على لون مذهبي واحد»؟! و»ليش حزب الله شو؟» أليس حزباً مذهبياً طائفياً حتى النخاع ومرتبط بعقيدة دينيّة إيرانيّة»؟!
«فظيع» الرئيس نبيه بري عندما يلعب بورقات الطائفيّة، أو عندما ينقّل كشاتبينها من إصبع إلى آخر!! وأطرف ما سمعناه بالأمس من الرئيس نبيه بري أنه قال: «إننا لم نتنبه أن فرصة لبنان هي الاستثمار على شبابه من خلال شهاداته»!!، بالتأكيد لم يسمع الرئيس بري بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا بمؤسسة رفيق الحريري التي ومنذ مطلع الثمانينات قدمّت جيشاً من حملة الشهادات للبنان خمسة وثلاثون ألف طالب علمهم الرئيس الحريري، في وقت لم ينتبه فيه الرئيس بري للأمر إلا بالأمس، وطبعاً كان الكلام مفاجئاً لأن الرئيس بري وحركته ومهجريها ومجالسها معتادين على الأخذ، و»هيدي دقن الشعب اللبناني» إذا بعلّم لبناني الرئيس بري، لبناني واحد من جيبه الخاص»، فكلّ من تدخّل من أجلهم علّمهم من «جيبة الرئيس الشهيد رفيق الحريري»!!
ومن فطنة الرئيس بري ظنّ أن قانون الانتخاب عند غبطة البطريرك، لا، دولته غلطان كتير، ثمة طائفتان كبيرتان في لبنان إذا أراد الحديث عن تخفيض سن الاقتراع وقانون غير طائفي، طائفة المغتربين اللبنانيين الذين لا يستحي الرئيس نبيه بري وهو يتحدث عن قانون انتخابي أن يغمض عينيه عن حقّهم، وهناك أيضاً الطائفة السُنية، ولن نقول أنها الأكبر في لبنان، فالرئيس بري لا يحتاج لمن يذكّره بذلك، واليوم وأكثر من أي وقت مضى اللبنانيّون مصرّون على أن لا يأكل الفاجر مال التاجر!!
أما حديثه عن «إلغاء الطائفية السياسيّة التي نصّ عليها الدستور»، فلها جوابين: الدستور نصّ أولاً على تسليم كلّ اللبنانيين سلاحهم إلى الدولة، وآخر مرة شاهدنا فيها الرئيس بري كان يحلف برقبته أنه وفريقه لن يسلّموا سلاحهم!!
أما الجواب الثاني، فنتركه للبطريرك بشارة الراعي الذي تكفّل يوم كان مطراناً بالردّ على نفس الدعوة التي أطلقها يومها الرئيس نبيه بري: في 2011/1/28 أطلّ «المطران بشارة الراعي» في لقاء متلفز عبر شاشة الـLBC ردّ فيه على «دعوة مفاجئة للرئيس بري إلى إلغاء الطائفية السياسية»، فقال: «بوجود المال والسلاح سيكون البديل عن إلغاء الطائفية السياسية الدولة الإسلامية»..
وإذا كان غبطته ارتضى أن يكون والمسيحيون من ورائه في مرتبة أعلى قليلاً من «أهل ذمّة» و»أدنى قليلاً» من درجة مواطنين يتمتعون بكل حقوق المواطنة، فوضعه سماحة مفتي الجمهورية محمد رشيد راغب قباني، وهو لا حقّ ولا صفة له لمنح عهد لمسيحيي لبنان وبطريركهم، فحوّلهم وغبطته التزم الصمت إلى أناس في منزلة بين المنزلتين، ليسوا أهل ذمّة ولا مواطنين، بل «أهل عهد»، «ليك ملاّ آخرة»، وإذا سكت غبطته عن هذه التسمية «أهل العهد» فنحن مسلمو لبنان لن نسكت، لأن مسيحيي لبنان بكلّ طوائفهم الروحيّة هم مواطنونا وإخوتنا وشركاؤنا في لبنان، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وما بيننا وبينهم وحدة مصير، وعيش مشترك ووطن ننتمي إليه، هم مواطنين، لا معاهدين ولا ذميين، إلا إذا كان غبطته لا يعرف معنى «أهل عهد»، ومعنى «المعاهدين» من أهل الكتاب في الإسلام!!